البحث

التفاصيل

ما أكبرك يا غزة!؟

الرابط المختصر :

ما أكبرك يا غزة!؟

بقلم: التهامي مجوري

عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

 

إي والله ما أكبر غزة هذه الأيام؛ بل ومنذ السابع من أكتوبر 2023، يوم قررت الشروع في تسجيل بطولاتها التي لم ير العالم مثلها منذ قرون...، وحولت نبضات القلوب على إيقاع ضرباتك الموجعة للعدو، وفرضت قيما جديدة في فن الحرب، وهي قيم تحولت اليوم إلى مقاييس تدرس في الكليات الحربية، أو على الأقل تحولت إلى فنيات تدرسها مخابر المؤسسات الأمنية والحربية.  

ما اكبرك يا غزة وأنت البلدة الفقيرة المحاصرة التي تعيش على مساعدات شرفاء العالم، ورغم جهد المقل الذي يقوم به أبناؤك البررة، ممن سكنوك وفضلوا البقاء فيك على كل عيش خارجك مهما كانت فضائله.

وما أكبرك يا غزة رغم لأنك محاصرة من الجميع، ويحاصر كل ما يريد التقرب منك، وفرض عليك أن تكوني محدودة "الحظ" ومحاصرة في كل جانب ومحتاجة لكل شيء، فقد فعلت في العدو، ما لم تفعله الجيوش الجرارة، فحولت مساحتك التي لا تتجاوز 265 كم2، إلى مساحة لمعركة دولية، لمواجهة كل العالم المتعجرف بجيوشه وعتاده ومصنوعات الثقيلة والخفيفة، وحولت من شعبك الذي لا يتجاوز عدده المليونين وثلاثمائة ألف مواطن، إلى قنابل مؤقوتة بطاقة عجيبة من الصبر والمعاناة، كانت عونا كريما وأمينا للمقاومة... ورغم أنك كنت ولا تزالين مطوقة بأبشع عدو عرفته البشرية، المتمثل في قوى التآمر الدولي، وجملة من المطبعين والمنبطحين لقوى الغرب، فإنك لم تستسلمي للواقع الذي يريده لك أعداؤك في الخارج وخصومك في الداخل.

فما أكبرك يا غزة، فأنت التي فرضت على العالم كله خلال سنتين من المقاومة فقط، أن يُعدِّل من نظرته إلى الشعوب والمبادئ والقيم... وقَلَبْت موازين العلاقات الدولية التي تعيد اليوم النظر في مبادئها وغاياتها وقيمها الثقافية والسياسية... لقد كشفتِ للعالم أن الغرب لا دين له وعهد ولا قيم معتبرة غير مصالحه وتثبيت أنانيته المتعجرفة... فعرف العرب والمنبطحون عموما أن الأقوياء في هذا العالم لا عهد لهم، فقد أباحوا الاعتداء على حلفائهم وأقروا دوس جميع ما يتعارض ومصالهم الخاصة بالأقدام جهارا نهارا.

ما اكبرك يا غزة، وانت تميطين اللثام عن عنصرية الصهاينة و"تهوديتهم"، وعن النفاق الغربي والانبطاح العربي، كما كشفت عن حقيقة قديمة كاد التاريخ ينساها وهي أن الحق حق مهما كان ضعيفا، والباطل باطل مهما كان قويا، وأن الحق الذي يعمل عليه أهله لن يضيع، بل يبقى شوكة في حلق المعتدي... فالقضية الفلسطينية قضية بلد مستعمر من طرف شرذمة من اليهود، تجمعت وغزت هذا البلد الطيب أهله، بدعم دولي ومشاركة فعالة منه، ليكون الصهاينة واليهود هم المحافظون على مصالح الداعمين... ورغم أن كل العالم يكره اليهود والصهاينة، بسبب إفسادهم الذي تعاني من شعوب العالم، بما فيهم شعوب الغرب من النصارى والملاحدة، ومع ذلك فإن كل العالم اليوم مع الصهاينة واليهود خوفا منهم ومن لوبياتهم النافذة في مؤسسات العالم الرسمية والخاصة.

ما اكبرك يا غزة وقد فرضت على العالم التفكير في إيجاد قيم جديدة للبت في قضايا العالم وقضية فلسطين خاصة، بعد أن قرر هذا العالم المنافق، أن يكون الحل النهائي عن طريق تلك المعاهدات الإستسلامية التي بدأها الرئيس المصري أنور السادات سنة 1978 وطبقتها منظمة التحرير الفلسطينينة فيما يعرف بمعاهدة أسلو الذي شرع في الاعتراف بدولة الصهاينة وتعطيل آلية المقاومة المشروعة، وقد أثمرت تلك المساعي الانهزامية، بعد أكثر من ثلاثين سنة صفرا على الشمال، لا شيء على الأرض، لا اعتراف لهم بدولة ولا بسلطة ذات فاعلية ولا بوجود شريف على الأرض؛ بل لم يعامل الفلسطيني في الأرض المحتلة، إلا ككائن خطير يُخاف منه، غير قابل للإدماج في غيره من التكتلات الموجودة في الكيان... فما أكبرك يا غزة فقد أعدت القضية إلى مربعها الأول، وهي ألا سلام مع الصهاينة إلا بالجلاء عن الأرض وإداعتها إلى أهلها...

وما أكبرك يا غزة وأنت تتفاوضين مع عالم لا يعترف بوجودك، ولا يطيق ذكر اسمك بين الأسماء، بل يعمل على تجريدك من عناصر قوتك المتمثلة في سلاحك الذي تذودين به على أبنائك! بحيث لا يجوز لك أن تظهري في الصورة كطرف مفاوض أو خصم محارب أو مسالم ؛ لأن العالم المنافق يرفضك، ولا يجيز لك أن تتكلمي في شأن أن المهني به الأول، ومع ذلك فأنت هيئة شرعية تخاطبين الشعوب والشعوب تسمعك جيدا وتتفاعل معك ومع أشطتك التحررية... وقد فزت ورب الكعبة في تجاهل هذا العالم المنافق، والتواصل مباشرة مع الشعوب الحية، فتجاوبت الشعوب بصدق داعمة لك ولحقك في البقاء وفي الخلود وفي تقرير مصيرك بيدك لا بيد غيرك... ورغم أنك في عرف هذا العالم المنافق ليس لك وجود، فإن الله قد فتح لك منافذ كثيرة لتُطلِّي منها على العالم، بفعلك وخطابك ومواقفك وآرائك في كل شيء، للإبقاء على قضيتك حية في النفوس وفي الواقع... فقد سخَّر لك الله بعض الأنظمة السياسية للتوسط بينك وبين أعدائك مثل: مصر وقطر وتركيا، وأخرى للدفاع عن حقائق الوجود مثل: جنوب إفريقيا وغيرها من الدول التي حركت آليات العدالة الدولية، كما كشفت الأحداث عن التعاطف الشعبي غير المحدود في مجتمعات تعد أنظمتها من اخبث الأنظمة وأظلمها للشعوب: مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا، فقد لخطابك وعدالة قضية منفذا هاما للم شمل الطاقة الشبابية في بلاد الغرب استنكارا لما تفعل أنظمتهم، بحيث لم يبق في الغرب دعما شعبيا وتعاطفا مع الصهاينة إلا فيما فوق سن الأربعين، أما الشباب فمعظمه متحرر من التزامات الأنظمة الاستعمارية المنافقة بما في ذلك الشباب الأمريكي الذي تحرك وقاوم البوليسي في الجامعات والشوارع...

ما أكبرك يا غزة وقد ظهرت لأجلك وبسببك قيما سياسية لم يعرفها العالم من قبل!! فمتى كان التوقيع على وقف إطلاق النار دون حضور المعنيين؟ ومتى كان الناس ينوبون عن غيرهم ممن لا تعترف بهم المؤسسات الدولية؟

بل إن هذا الطرف الغير معترف به مصنف على أنه تنظيما إرهابيا!! فالمقاومة فيك غير معترف بها، ومع ذلك فهي طرف أساس، والموقعون على توقيف الحرب بين المقاومة والكيان هم: قطر ومصر وتركيا والولايات المتحدة الأمريكية... وهؤلاء الموقعون فيهم من يعتبر المقاومة إرهابا، ومنهم المتوجس منها ويتمنى لو أنها تتوقف عن استعمال العنف، وقليل منهم من يعترف لهذه المقاومة بالشرعية التي يتمناها...

لا شك أن هذه التوقيعات ليست هي الأساس، وإنما منطق القوة هو الحاكم، فلو لم يكن الرئيس الأمريكي طرفا في العملية ما كان لهذا الحدث قيمة، ومن ثم لا يعول على هذه التوقيعات كثيرا، ولا يومن الجانب الأمريكي فيها، وإنما هي فعل مشكور لكونه أوقف الحرب عليك وعلى شعبك المظلوم والمغبون.

وما اكبرك يا غزة وقد أعدت الأمور إلى نصابها، فلا السلطة الفلسطينية كان لها دور أو قيمة في الموضوع، ولا ضعاف النفوس والبنية السياسية والدبلوماسية لهم حضور فيه، وإنما أغلب الحاضرين في هذا التجمع، يعدون من الداعمين للصهاينة واليهود في العالم وخاصة الضيوف منهم، الذي بدوا وكأنهم يريدون مخادعة شعوبهم التي لم يرضها ما شاهدت من جرائم على أرضك... أما الموقعون فرغم مواقفهم المتباينة من المقاومة، فهم من ذوي الثقل السياسي والدبلوماسي والمالي، وليسوا من نكرات العالم، ومن ثم فإن من المستبعد تجاوز ما اتفقوا عليه وبسهولة وبساطة... ومع كل ذلك فالحذر هو الأصل مع هذه القوى المتغطرسة.

أخريا شكرا لك غزة فقد فضحت ما كان مستور من العلاقات العضوية بين الأمريكان والكيان الصهيوني، كما فصحت خذلان العالم للشعوب، فقد صرح الرئيس الأمريكي المجرم في خطابه بالكنيست الصهيوني أنه كان يتلقى المكلمات تلو المكالمات طلب للأسلحة وأنه أرسل إليه الأسلحة وشكر الصهاينة على أنهم أحسنوا استعمال تلك الأسلحة... أي أحسنوا بقتلهم الأطفال والنساء والمدنيين... يقول هذا الكلام في خطاب رسمي وهو في طريقه إلى شرم الشيخ ليصنع السلام!! بتوقيع وثيقة الله أعلم بمضامينها الحقيقية...     

 

 


: الأوسمة


المرفقات

التالي
رسالة إلى الأشقاء في باكستان وأفغانستان
السابق
من 5 بيوت إلى 200 ألف مسلم.. حكاية الجالية الإسلامية في كالغاري الكندية

مواضيع مرتبطة

البحث في الموقع

فروع الاتحاد


عرض الفروع