البحث

التفاصيل

رسالة إلى الجماعات الإسلامية في حقل الدعوة إلى الله تعالى

الرابط المختصر :

رسالة إلى الجماعات الإسلامية في حقل الدعوة إلى الله تعالى

بقلم: د. أحمد سنان الكامل

عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

 

أيها الدعاة إلى الله، يا حملة رسالة النور والهداية، يا من نذرتم أعماركم لنصرة هذا الدين، اعلموا أن أعظم ما تحتاجه الأمة اليوم هو وحدة الصف، وصفاء القلوب، واجتماع الكلمة على الحق، لا تمزقها الخلافات الجزئية ولا تنحرها الخصومات المذهبية. فإن الدعوة إلى الله لا تزدهر في أجواء التنازع، ولا تثمر ثمارها الطيبة إلا في ظلال المحبة والتآلف والإخلاص لله تعالى.

 

لقد أمرنا الله سبحانه بالاعتصام بحبله جميعًا ونهانا عن التفرق، فقال جل شأنه:

﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾،

وبيّن لنا أن التفرّق من أعظم أسباب الهزيمة والخذلان، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾. فكيف يُرضى لدعاة الله أن يكونوا أول من يقع في هذا المحظور؟ وكيف تُجعل المسائل الفرعية التي اختلف فيها السلف مجالاً للولاء والبراء، والحب والبغض، والاتهام والخصومة؟

 

إن المسائل الخلافية في الفروع لم تزل موجودة بين الأئمة والعلماء، ولم تكن يومًا سببًا للتباغض أو التهاجر، بل كان الخلاف عندهم بابًا للرحمة وسعة في الفقه. قال الإمام الشافعي: “رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب.” فهل من بعد هذا التواضع العلمي والخلق الدعوي مجال للتعصب والانغلاق؟

 

لقد أُبتليت الساحة الإسلامية بكثرة التصنيفات والانقسامات، حتى صار المسلم يزن أخاه بمدى اتفاقه معه في مسائل اجتهادية، وينسى أن الميزان الأصيل هو الإيمان بالله ورسوله، والعمل الصالح، والإخلاص في الدعوة. إن الدعوة ليست ساحة صراع مذهبي، بل ميدان رحمة وإصلاح، ورسالة تلتقي فيها القلوب على حب الله ونصرة دينه، لا على حظوظ النفس ولا على الانتصار للرأي والمذهب.

 

أيها الدعاة، إن الأمة اليوم تتعرض لهجمة فكرية وأخلاقية وسياسية شرسة، تُراد بها عقيدتها وثوابتها وكرامتها، فكيف يُعقل أن تُهدر طاقات الدعاة في الجدل والخلاف، بدلاً من أن تُوجَّه إلى الدعوة والتربية والبناء؟ إن أعداء الإسلام يفرحون بانقسام صفوفكم، لأنهم يعلمون أن قوة الدعوة في وحدتها، وأن ضعفها في تفرقها.

 

فليكن شعارنا دائما: “نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه.” ولْيكن ولاؤنا لله ورسوله، لا للأسماء والشعارات، ولْيكن البراء من الكفر والضلال، لا من مسلم يخالفنا في اجتهاد أو رأي.

 

إن الدعوة إلى الله عمل جليل لا يحتمل أن يُثقل بالخصومات. فاحذروا أن تكونوا سببًا في نفور الناس من الدين بسبب تنازع الدعاة وتطاحن الجماعات. اجعلوا دعوتكم رحمةً للناس، وصفاءً في المقصد، وسماحةً في الخلاف، وتواضعًا للحق، فبذلك فقط تثمر الدعوة ثمارها المباركة وتصل إلى القلوب قبل العقول.

 

إن وحدة الصف الدعوي ليست خيارًا ترفيًّا، بل هي فريضة شرعية وضرورة واقعية. فإما أن نجتمع على كلمة سواء نعبد الله وحده وندعو إليه بالحكمة والموعظة الحسنة، أو نظل أسرى الخلاف، يطغى بعضنا على بعض، فيذهب ريحنا وتضيع رسالتنا.

 

فلنعد إلى الأصل الذي اجتمع عليه سلف الأمة: تعظيم الوحي، واحترام العلماء، والتجرد لله في القول والعمل، ولنغلق أبواب الشقاق التي فتحها الشيطان بيننا. فالدعوة لا تنتصر بالعدد والجدل، بل بالصدق والإخلاص ووحدة الصف.

 

أفلا نرجع إلى الله جميعًا، قبل أن نُسأل يوم القيامة: لِمَ تفرّقتم ودينكم واحد؟

 


: الأوسمة


المرفقات

التالي
وفد من الاتحاد – فرع إقليم كوردستان العراق يزور جمعية الفاتح في مدينة كركوك
السابق
شتاء غزة.. برد المخيمات يفاقم جراح الحرب

مواضيع مرتبطة

البحث في الموقع

فروع الاتحاد


عرض الفروع