يا أهل الإيمان والحكمة
بقلم د. أحمد سنان الكامل
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
إنّ أعظم ما يُبتلى به الناس هو اختلاف القلوب
بعد اجتماعها، وتنازع الأهواء بعد صفائها. وإنّ ما يجري اليوم بين أبناء الوطن
الواحد، لهو من أشدّ مظاهر الابتلاء وأخطرها، لأنّ الخلاف إذا تجاوز حدود الرأي
إلى العداء والاقتتال، صار فتنة تلتهم الأخضر واليابس، وتمزّق النسيج الاجتماعي،
وتفتح أبواب التدخل الخارجي، وتبدّد طاقات الأمة في صراعات لا تُثمر إلا الألم
والفقر والدمار. لقد آن لأهل الإيمان والحكمة أن يقفوا وقفة صادقة مع أنفسهم،
يراجعوا فيها مواقفهم ومساراتهم، وأن يدركوا أن القوة ليست في الغلبة بالسلاح، ولا
في فرض الرأي بالقهر، بل في القدرة على جمع الكلمة، والتنازل للمصلحة العامة،
والسعي في الإصلاح، كما قال تعالى: {فأصلحوا ذات بينكم واتقوا الله لعلكم ترحمون}
[الأنفال: 1].
إنّ الطريق الأقوم لإصلاح ذات البين هو التحاكم
إلى شرع الله، لا إلى المصالح الضيقة ولا إلى الإملاءات الأجنبية. فالشريعة
الإسلامية هي الكفيلة بتحقيق العدل، وهي المرجع الذي يجمع القلوب ويوحد الصفوف،
لأنها ترفع الخلاف إلى ميزان الحق الإلهي، لا إلى أهواء البشر. قال تعالى: {فإن
تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر}
[النساء: 59]. والتحاكم إلى الشرع لا يعني إقصاء أحد، بل يعني تحكيم مرجعية مشتركة
يؤمن بها الجميع، ليكون الاجتماع على الحق لا على المصالح. إنّ كل اتفاق أو مصالحة
لا تقوم على هذا الأساس سرعان ما تنهار، لأنها لا تمتلك الجذر الأخلاقي والإيماني
الذي يحفظها.
الحوار الهادئ الصادق هو الطريق الأمثل للخروج من
دوائر العنف وسوء الفهم. فالحكمة التي أثنى الرسول عليه الصلاة والسلام بها على
أهل اليمن لا تكتمل إلا بإحياء ثقافة الإصغاء للآخر، واحترام الرأي المختلف،
والبحث عن القواسم المشتركة بدل تضخيم الخلافات. قال تعالى: {وقولوا للناس حسناً}
[البقرة: 83]، وقال سبحانه: {ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم
بالتي هي أحسن} [النحل: 125]. فالحوار القائم على النية الصالحة والمقاصد الوطنية
والإيمانية هو حجر الأساس لأي مشروع إصلاحي دائم، وهو تعبير عن الإيمان بالعقل، واحترام
للإنسان، وتأكيد على أنّ التفاهم بين المختلفين هو الطريق إلى السلام.
ما من صلح يقوم إلا على الاعتراف المتبادل،
والاعتراف بالخطأ فضيلة لا مهانة. فليس من العيب أن يعترف المرء بزلته أو أن
يتراجع عن موقفٍ تبين له خطؤه، بل العيب أن يُصرّ على ما يُمزق وطنه ويؤذي شعبه.
ولقد علّمنا القرآن الكريم مبدأ التنازل من أجل الإصلاح في قوله تعالى: {وإن امرأة
خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً فلا جناح عليهما أن يُصلحا بينهما صلحاً والصلح
خير} [النساء: 128]. فالصلح خير، حتى إن تضمّن بعض التنازل، فكيف إذا كان الصلح
بين أبناء بلدٍ واحد تربطهم الأخوة والعقيدة والمصير المشترك؟ إنّ التنازل المتبادل
ليس خسارة، بل هو شرف وكرامة، لأنه خطوة نحو حماية الوطن، وصون دماء الأبرياء،
وإعادة بناء ما دمرته الحرب.
إنّ العلماء والدعاة وأهل الرأي والمشايخ مطالبون
اليوم بدور تاريخي في رأب الصدع ولمّ الشمل. عليهم أن يقدّموا القدوة في خطاب
العقل والحكمة، وأن ينأوا بأنفسهم عن الاستقطاب السياسي أو الطائفي، لأنّ الكلمة
الصادقة في زمن الفتنة تعادل جهادًا في سبيل الله. قال رسول الله ﷺ: "أفضل
الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر" (رواه النسائي). فلتكن كلمتهم كلمة إصلاح، لا
تأييد لفريقٍ ضدّ آخر، بل دعوة إلى جمع الكلمة على أساس الإيمان والمواطنة
والعدالة، حتى يعود لليمن أمنه واستقراره، ويستعيد مجده وحضارته التي أضاءت صفحات
التاريخ.
إنّ اليمن ليس ملكًا لجماعة ولا حزب ولا مذهب، بل
هو وطن لجميع أبنائه. أرضه المباركة، وتاريخه المشرق، وثرواته التي أودعها الله
فيه، كلها أمانة في أعناق الجميع. فمن أضاع هذه الأمانة أو فرّط فيها لحسابات ضيقة
فقد خسر الدنيا والآخرة. لقد أثبتت التجارب أنّ الارتهان للخارج لا يجلب إلا
الذلّ، وأنّ الحلّ الحقيقي لا يأتي إلا من الداخل، من ضميرٍ وطنيٍّ صادقٍ يستشعر
عظمة المسؤولية أمام الله ثم أمام الأجيال القادمة.
يا أبناء اليمن، في الشمال والجنوب يا أهل
الإيمان والحكمة: تعالوا إلى كلمة سواء، إلى عهدٍ جديدٍ يقوم على الصفح والتنازل
والإصلاح. دعوا الماضي بما فيه، وافتحوا صفحة المستقبل على بياض، تُكتب فيها
عناوين السلام، والتعاون، وبناء الوطن. قال تعالى: {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى
كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً
أرباباً من دون الله} [آل عمران: 64]. وهذا النداء القرآني العظيم ليس موجّهًا
لأهل الكتاب فحسب، بل لكل المختلفين من أهل الدين الواحد والوطن الواحد، ليجتمعوا
على أصلٍ جامعٍ: عبادة الله، وترك الظلم، وإصلاح ذات البين.
إنّ اليمن اليوم يقف على مفترق طريقين: إما طريق
العقل والإيمان والحكمة والصلح، وإما طريق التنازع والدمار والارتهان. وليس من
سبيلٍ للنجاة إلا بالعودة إلى الله، وتحكيم شريعته، والالتفاف حول المصلحة الوطنية
الجامعة. قال تعالى: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} [الرعد:
11]. فليكن التغيير من داخل النفوس، من القلوب التي تؤمن بالله وتحب وطنها. وليرفع
الجميع راية واحدة: "اللهم أصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السلام، ونجّنا من
الفتن ما ظهر منها وما بطن، واجمع شمل اليمن على الحق والإيمان." يارب العالمين