تفكيك منظومات الاستبداد (٦١): لعنة الفراعنة
د. جاسر عودة
—
كذب من أشاعوا أن ”لعنة الفراعنة“ هي ما يُعرف في اللغات الأوروبية بـ ”لعنة المومياوات“ التي تصيب من يفتح صناديق المومياوات بالأمراض الغامضة التي تنتهي بالوفاة، بل ”لعنة الفراعنة“ مفهوم قرآني أصيل، ورد في غير موضع في القرآن العظيم، منها قوله تعالى في سورة هود: (فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد. يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود. وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفد المرفود - هود ٩٧-٩٩)، ومنها قوله تعالى عن قوم فرعون في سورة القصص: (فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين. وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون. وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين - القصص ٤٠-٤٢).
أما ”لعنة المومياوات“، فيشيع السفهاء الذين تمكِّنهم النظم المهيمنة من صناعة الثقافات العامة -شرقًا وغربًا- أن من يستكشف قبور الفراعنة أو رُفاتهم تصيبه ”لعنة“ فيمرض مرضًا عضالًا ويموت بعدها مباشرة، ويربطون هذا بكتابات على بعض القبور الفرعونية تحذر من اللعنات المتتابعة والأضرار التي تحل على من يسرق محتويات تلك القبور، وقد حدث فعلًا أن وقعت أمراض ووفيات مفاجئة لعدد معتبر من المنقبين عن الآثار الفرعونية خلال القرن الماضي خاصة مكتشفي مقبرة الفرعون توت عنخ آمون، وصُنعت خلال العقود الأخيرة أفلام سينمائية ومواد فنية وإعلامية متنوعة ثبّتت تلك الخرافة في المخيّلة الشعبية العامة شرقًا وغربًا. وقد ثبت -بالمناسبة- بالأبحاث العلمية الطبية المنشورة أن تلك الأمراض والوفيات سببها أنواع من العفن السام الذي ينمو ويتراكم في الغرف أو التوابيت الأثرية المغلقة لألوف السنين، فإذا فتحها المستكشفون بعد تلك الحقب الطويلة واستنشقوا هواءها أصابتهم تلك العفونات السامة فيموتون بها، ليس إلا.
أما ”لعنة الفراعنة“ الحقيقية التي اتبعتهم في الدنيا كما يقول الله تعالى في القرآن، فهي على معنيين: أولهما أن الأجيال التي تلت عصر الفراعنة ستظل تلعنهم إلى يوم القيامة، جراء ما ارتكبوا من مذابح وموبقات ومخازي يندى لها جبين البشرية، والمعنى الثاني هو اللعنة التي ستصيب الذين اتَّبعوا طريق الفراعنة من الأجيال التي تلت عصر الفراعنة على مر القرون، لأنهم اتبعوا سَنن الطغيان التي سنّها الفراعنة وخاضوا كخوض الفراعنة فاستحقوا اللعنة كما لعنوا.
والقصد من هذه الآيات الكريمات عن ”لعنة الفراعنة“ لا يتعلق بإثارة الغموض والإثارة كما فعل الدجالون في علوم المصريات، بل يتعلق بالموعظة والعبرة وتحذير كل من يتورط في الحكم بعد الفراعنة إلى آخر الدهر أن يقعوا في مثل ما وقعوا فيه من طوام. ثم إن قوله تعالى: (بئس الرفد المرفود) هو من الرِّفادة بمعنى الدعم والعطاء، أي ما يعطون في النار من سقاء الحميم والعياذ بالله، أو هو من الرِّفادة بمعنى التتابع، أي إشارة إلى لعناتهم المتتابعة لعنة بعد لعنة يرفد بعضها بعضًا، والعياذ بالله.
وقد حدث في عام ١٣٩٦هـ/١٩٧٦م أن نُقلت مومياء الفرعون رمسيس -التي اكتشفت عام ١٣١٥هـ/١٨٩٨م- من القاهرة إلى باريس من أجل فحصها تشريحيًا ومعالجة فطريات كانت قد أصابتها، واشترك في فحصها وفحص مومياء الفرعون مِرْنِبْتَاح -ابن الفرعون رمسيس وخليفته في الملك- الجراح والعالم الفرنسي موريس بوكاي (ت ١٤١٨هـ/١٩٩٨م)، وكان بحثه عن فرعون موسى وتصديق نتائجه لما هو مذكور في القرآن -وليس مذكورًا في أي كتاب آخر- من أسباب اعتناقه للإسلام، ثم قاده بعد ذلك إلى بحث آخر عن اسم هامان المذكور في القرآن الكريم -وليس مذكورًا في أي كتاب آخر- إلى أن وجد اسمه ضمن أسماء الكهنة الكبار المسؤولين عن بناء المعابد ضمن ما اكتشفه مستشرقو الحملة الفرنسية الغازية لمصر في بدايات القرن التاسع عشر من آثار، وقد استنتج الدكتور بوكاي رحمه الله من الدراسة التشريحية والتاريخية التفصيلية علي المومياوتين المذكورتين أن: ”رمسيس هو فرعون الاضطهاد ومِرْنِبْتَاح هو فرعون الخروج“، وأن الفرعون الأول مات في الفترة التي عاشها موسى عليه السلام في مدين، فلما رجع كانت بقية القصة مع الفرعون الثاني ابنه مِرْنِبْتَاح، الذي أثبت تشريح جثته المومياء أنه مات غرقًا، ونشر ذلك كـ ”تفسير علمي“ لهذه الآية مع قصة إسلامه في كتابه الشهير: ”التوراة والإنجيل والقرآن والعلم“.
وصدق الله العظيم حيث قال: (فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون - يونس ٩٢)، فبالرغم من تأكيد القرآن كما يعرف كل مسلم له أدنى دراية بالإسلام، أن فرعون موسى كان طاغوتًا لعينًا، سواء كان رمسيس كما يقولون في كتب الأحبار أو مِرْنِبْتَاح كما في بعض كتب التفسير وفي استنتاجات العلم الحديث، وأنه كان كذابًا مأفونًا، ومدع للألوهية، ومستبدًا جاهلًا، وسفاحًا فريدًا في التاريخ، ذبح وصلب خوفًا على ملكه عددًا لا يحصى من الناس ومنهم أطفال رضع، وأن أُسَر الفراعين الذين توارثوا ملك مصر وملئهم وكهنتهم وجنودهم وأثرياء عهودهم كانوا شركاء في قتل وسرقة واضطهاد وتجويع أهل مصر في ذلك الزمان كما نقرأ في صفحات التاريخ.
ثم بالرغم من شيوع الرواية اليهودية-المسيحية بين عوام الناس أن فرعون موسى هو المدعو رمسيس الثاني، وذم القرآن في مئات الآيات لفرعون وقومه وملئه وجنوده وسيرته الفاسدة وحقبة حكمهم الكارثية، إلا أن عموم مواطني الدولة الحالية المعروفة بجمهورية مصر العربية وغالبيتهم الساحقة من المسلمين -ومعهم أقلية قبطية نافذة- ما زالوا يمجِّدون نفس الفراعين وخاصة المدعو رمسيس، ويسمون ميادينهم وشوارعهم وأحياءهم ومدارسهم ومستشفياتهم بل وبعض أبنائهم -مسلمين وأقباطًا- باسمه، ثم يضربون لرفاته المدافع ويرفعون له الأعلام كما يفعلون لرؤساء الدول إذا خرجوا بالمومياء إلى الشارع لأغراض الدعاية السياحية أو لنقل الرفات من متحف لمتحف محلي أو دولي، والأدهى من ذلك اتخاذ الفرعون رمسيس هوية لقوميتهم الحالية ورمزًا لدولتهم الحالية بوضع صورة رمسيس هذا -الذي لعنه الله في كتابه- على العملة الورقية النقدية المسماه بالجنيه المصري، وتعظيم تماثيله ذات الحجم الضخم، ومعروف عن رمسيس سرقة تماثيل الملوك قبله وإعادة نحت وجوهها على صورة وجهه، ولكنهم ما زالوا يضعونها في وسط أهم معالم مدنهم ومتاحفهم، ويرسمون صورهم اليوم بالذكاء الصناعي على صورته، وملابسهم على ملابسه!
ثم نجد اليوم حديثًا يشيعه الإعلاميون السفهاء -وما أكثرهم في هذه الأيام النحسات- إذا نجح القوم في شيء من أمور الدنيا، أن يرجعوا نجاحاتهم إلى كونهم ”فراعنة“، بل هناك نزعة متنامية لإعادة تشكيل الهوية المصرية منذ نصف قرن، مفادها أن المصريين لابد أن يأنفوا من أن يقال عنهم ”عرب“، بل هم ”أحفاد الفراعنة“! ولا يخفى على من له أدنى حظ من التعليم -والتعليم في حالة صعبة في هذه الأيام النحسات-، لا تخفى الأهداف السياسية لهذا الكلام، خاصة على قضية فلسطين والجهاد ضد الصهيونية الصليبية، والمؤامرة الحالية لإعادة رسم العالم العربي والإسلامي على تقسيم جديد، والمؤامرة على المسجد الأقصى خصوصًا.
وقد كان أول وعيي على الدنيا في القاهرة في ستينيات القرن الماضي الميلادي، وكنت في مرحلة حفظ القرآن في صباي أتوقف أمام هذه الظواهر المنحرفة وأتعجب من هذا التناقض المبين مع صريح القرآن الذي نقرؤه ونحفظه، ونسمعه يوميًا في وسائل الإعلام العامة، وأقول: أليس هذا الفرعون الملعون في القرآن هو نفسه الذي يمجَّد ويُعظَّم في كل مكان ومناسبة؟ وكنت كثيرًا ما أزور الآثار الفرعونية خاصة في المتحف المصري القديم في ميدان التحرير، حيث كانت مومياوات الفراعين معروضة هناك -منذ الثمانينات-، لأتعظ بمصارع الطغاة وأتلو عندهم هذه الآيات من سورة يونس التي كنت بصدد حفظها في تلك الأيام: (فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون - يونس ٩٢)، ومعها قوله تعالى من سورة الحج: (فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد. أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور - الحج ٤٥-٤٦).
ولا يخفى على عاقل أن هذه الظواهر العجيبة المريبة والجهل الفاضح، إنما هو نتيجة لخطط منظّمة طويلة المدى لتشويه الدين الحق من أجل أغراض الحكم، الذي ظل على سياسات الفراعنة التي توارثها حكام تلك البلاد خلفًا بعد سلف -إلا القليل النادر منهم في التاريخ-، وهو ما يفسر الحملة الكبيرة والممنهجة التي نشهدها إلى يوم الناس هذا من تمجيد الفراعنة الطواغيت ووصفهم بالأبطال القوميين ووصف الأصنام الفرعونية في المحافل الرسمية ومناهج المدارس والقنوات الإعلامية والملاعب الرياضية والمتاحف التاريخية، بأنها ”آلهة المصريين“، تعالى الله عما يقولون! وذلك خدمةً لمن خلَفهم ممن يتّبعون سَننهم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع في التعامل مع الإسلام منذ أيام رسول الإسلام موسى عليه السلام، وإن كان في أشكال أكثر تعقيدًا وتركيبًا بعد دخول عموم المصريين في الإسلام بعد عصر الرسالة المحمدية ﷺ.
نسأل الله تعالى أن تتتابع اللعنات على الطغاة الفراعين المفسدين، السابقين منهم واللاحقين، وأن ينجي المؤمنين الصالحين المصلحين، وأن يفك أسر المأسورين المظلومين والذين يأمرون بالقسط من المؤمنين والمؤمنات من سجون الصهاينة والمتصهينين، وأن تستفيق أمة محمد ﷺ مما يراد بها من مؤامرات، وأن تستفيق الأمة المصرية العظيمة لكي تقوم بدورها التاريخي المعهود منها في حماية بيضة الإسلام وأمة الإسلام ومقدسات الإسلام، خاصة وقد اقترب الغزو الصليبي الصهيوني من هدف هدم المسجد الأقصى وإقامة هيكل تُعبد فيه العجول الذهبية التي عبدها الفراعنة من قديم، والتي نقلها عنهم وعبدها بعدهم اليهود منذ أيام موسى عليه السلام، فهل نشهد هذه الاستفاقة في حياتنا أم نشهد ”لعنة الفراعنة“ التي قال تعالى عنها: (وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين - القصص ٤٢).
—