البحث

التفاصيل

البعد الديني في الثورة الجزائرية المباركة

الرابط المختصر :

  البعد الديني في الثورة الجزائرية المباركة     

أ د/ محمد دمان ذبيح

جامعة محمد العربي بن مهيدي  أم البواقي  - الجزائر –

 

        الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه، وسلم تسليما كثيرا دائما إلى يوم الدين      ثم أما بعد

    إن الحديث عن الثورة الجزائرية هو حديث عن تاريخ جدير بالدراسة في كل مدارس العالم، ذلك لأن هذه الثورة تجسدت فيها كل القيم الحضارية التي تحقق الحرية ببعديها الزماني والمكاني، والنصر بشقيه التخطيطي والتنفيذي،

قال شاعر الثورة الجزائرية مفدي زكريا[1] رحمة الله تعالى عليه:

نوفمبر جل جلالك فينا            ألست الذي بث فينا اليقينا؟

سبحنا على لجج من دمانا          و للنصر رحنا نسوق السفينا

و ثرنا ، نفجر نارا و نورا             ونصنع من صلبنا الثائرين

ونلهم ثورتنا مبتغانا                فتلهم ثورتنا العالمينا

   ولاشك أن البعد الديني يعد أهم هذه القيم الحضارية على الإطلاق، فهو الأساس الذي ترتكز عليه بقية القيم ، وبدونه لن تولد الفكرة الحية الخالدة ، ولن يستقيم السلوك الإيجابي المؤثر في حاضر المجتمع ومستقبله ، لذلك يقول مالك بن نبي رحمة الله تعالى عليه : "ومن المعلوم أن جزيرة العرب مثلا لم يكن بها قبل نزول القرآن إلا شعب بدوي يعيش في صحراء مجدبة يذهب وقته هباء لا ينتفع به ، لذلك فقد كانت العوامل الثالثة: الإنسان، التراب، والوقت عوامل راكدة خامدة، وبعبارة أصح مكدسة لا تؤدي أي دور في التاريخ، حتى إذا ما تجلت الروح بغراء حراء ، كما تجلت من قبل بالوادي المقدس، أو بمياه الأردن نشأت بين هذه العناصر الثالثة المكدسة حضارة جديدة. "[2]

     إن هذا العامل الديني الذي تحدث عنه مالك بن نبي رحمة الله تعالى عليه ليعد القلب النابض للثورة الجزائرية المباركة ، فالمتأمل إلى كل حركة، أو إلى  كل خطوة من خطوات هذه الثورة، يجد بأنها ثورة دينية تجلت فيها معاني الإسلام، وأخلاقه الرفيعة بامتياز، ولعل من أهم الدلائل على البعد الإسلامي في الثورة الجزائرية مايلي :

-       الثورة الجزائرية كانت صرختها في كل معركة من المعارك عبارة " الله أكبر "، والتي تعبر بشكل واضح عن  قوة الصلة بالله تعالى إيمانا وتوكلا، قال الله تعالى: ﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾ [العنكبوت: 45].

-        تسمية "المجاهد، والشهيد " لكل من يحارب من أجل دينه ووطنه ، وهي أسماء كما هو معلوم إسلامية مقتبسة من القرآن الكريم ، والسنة النبوية الشريفة.

-       اختيار يوم الإثنين أول نوفمبر 1954م لبداية الثورة وتفجيرها ، والذي صادف المولد النبوي الشريف في تلك السنة، وهذا بطبيعة الحال تيمنا بميلاد الحبيب صلى الله عليه وسلم.

-       حمل المصحف الشريف من طرف المجاهدين، والذي كان يمثل بالنسبة إليهم الزاد، والعتاد، والقوة جميعا، حتى أن الشهيد " عميروش "، استشهد سنة 1959م، وهو يحمل في جيبه مصحف شريف.

-      أغلب المجاهدين قادة وجنودا من أبناء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، التي تأسست سنة 1931م على يد العالم الرباني "عبد الحميد بن باديس رحمة الله تعالى عليه"[3] ، والتي كان شعارها: " الإسلام ديننا، والعربية لغتنا، والجزائر وطننا ".

-       الهدف من  وراء هذه الثورة كما جاء في بيان أول نوفمبر :" إقامة الدولة الجزائرية الديمقراطية الاجتماعية ذات السيادة ضمن إطار المبادئ الإسلامية".

-       كانت كلمات السر التي يستخدمها المجاهدون في معاركهم المختلفة هي : خالد ، عقبة ، علي ، عمر..، وهي أسماء للصحابة رضوان الله عليهم جميعا.

-       كل الأحكام التي أصدرتها محاكم الثورة الجزائرية، كانت أحكاما وفق تعاليم، ومبادئ الشريعة الإسلامية .

-       التعاون بين جميع أفراد المجتمع في كل صغيرة وكبيرة ، فقد كانت تدفع منح شهرية بشكل دوري لصالح عائلات الأسرى ، مع مساعدة عائلات الشهداء، و الاعتناء بمعلمي القرآن الكريم والمدرسين، بل إن عملية التضامن قد بلغت مستوى رفيعا، لدرجة أن الواحد منهم كان  يقتسم الرغيف مع أخيه ، في صورة من أجمل صور التكافل الاجتماعي التي دعا إليها الإسلام، قال عليه الصلاة والسلام : " مثلُ المؤمنين في تَوادِّهم ، وتَرَاحُمِهِم ، وتعاطُفِهِمْ . مثلُ الجسَدِ إذا اشتكَى منْهُ عضوٌ تدَاعَى لَهُ سائِرُ الجسَدِ بالسَّهَرِ والْحُمَّى ".[4]

-       الأخلاق الإسلامية الرفيعة التي تحلى بها المجاهدون قبل وأثناء وبعد الثورة المباركة، وهذا حتى مع غير المسلمين ، وهو الأمر الذي أثر إيجابا على  الدعوة إلى هذا الدين ، ولعل من أشهر الأمثلة على ذلك ،الفيلسوف والكاتب الفرنسي "روجيه جارودي"[5]، الذي اعتنق الإسلام بسبب موقف حدث له سنة 1941م عندما كان سجينا في الجزائر من قبل النازية الألمان ، أين قام مع زملاء له بعصيان في السجن، فأمر قائد السجن الجنود - وقد كانوا من الجزائريين المسلمين-  أن يطلقوا النار على كل السجناء، فرفضوا أمره ، لأن شرف المحارب المسلم يمنعه أن يطلق النار على إنسان أعزل، فأثر هذا الموقف فيه كثيرا، ودفعه إلى القراءة عن الإسلام حتى أشهر إسلامه رسميا في 2 جويلية 1982م.

-       الكرامات التي كانت تظهر بشكل جلي إبان الثورة الجزائرية المباركة ، والتي تدل على صدق الجهاد ، وحسن النوايا من أجل راية "لا إله إلا الله محمد رسول الله" ، ومن بين هذه  الكرامات التي ذكرها شهود عيان مايلي[6] :

·       طائرات تسقط ببنادق صيد (  بندقية الصيد تجابه طائرة العدو ) ، قال الله تعالى : ﴿ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ ۚ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ ۚ وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [الأنفال: 17].

·        ظاهرة النعاس قبل المعركة، أو في بدايتها، حتى يتجدد العزم، وتعلو الهمم، قال الله تعالى :

 ﴿ إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ ﴾ [الأنفال: 11].

·       نزول الغيث، والعواصف، والرياح حتى يصعب على الجيش الفرنسي القيام بأي عملية عسكرية، قال الله تعالى : ﴿ إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ ﴾ [الأنفال: 11]، وقال أيضا :  إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ ﴾ [الأنفال: 09.]

·       تفجير ينابيع الماء ليشرب منها المجاهدون ، كما حدث بإحدى المعارك بجبل "شلية" بالأوراس سنة 1961م.

·       تسخير الله تعالى الحيوان للمجاهدين، فقد كانت الكلاب، و الأحمرة ، والبغال على وجه الخصوص عونا للمجاهدين في كل حركاتهم، وفي هذا يقول شاعر الثورة الجزائرية  " مفدي زكريا رحمة الله تعالى عليه " :

إذا الشعر خلد أسد الرهان *** أينسى مغامرة الحيوان

أينسى البغال ؟ أينسى الحمير؟ *** وهل ببطولتها يستهان

سلام على البغل يعلو الجبال *** ثقيلا، فيكبره الثقلان!

وعاش الحمار يقل السلاح *** ويغشى المعامع ثبت الجنان

    ومنه أيضا حادثة الثعبان الذي قبع  في فوهة كهف في جبل السراق بولاية قالمة ،وكان يحوي أسلحة حربية، وذخائر، وأطعمة وغيرها ، ولما أراد الجنود الفرنسيين الاقتراب من الكهف انتصب ذلك الثعبان قائما، مانعا إياهم من الدخول، فعادوا يجرون أذيال الخيبة.

·       كان أحد القادة قد غير الطريق المتفق عليه ، وعندما سئل عن ذلك قال : أخذتني سنة من النوم في الطريق، وكنت بين اليقظان والنائم فسمعت صوتا يقول لي : " بدلوا طريقكم "، فغيروا الطريق وكان في ذلك نجاتهم من العدو .

·       رائحة المسك التي كانت تفوح من الشهداء ، وكم من شهيد عثر على جثته بعد أيام من الصيف الحار، وهي لم تتغير، ولم تتعفن.

·       طي مسافات السير ، أين كانت تقطع مسافات طويلة في أوقات قياسية جدا.

·       العباءة مثقوبة والجسم سليم، كما حدث مع أحد المجاهدين ، عندما رماه العدو بوابل من الرصاص، وتركوه ظنا منهم أنه قد مات ، ولكن الله تعالى أنجاه فلم يصبه أذى، رغم أن عباءته وجد بها عشرة خروق أحدثها الرصاص الذي رمي به ، قال الله تعالى : ﴿ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ ﴾ [الأنبياء:69،70].

     فهذه بعض الشواهد ، والأدلة على إسلامية الثورة الجزائرية المباركة ، والتي تعبر بشكل واضح عن  درس يجب أن تحفظه ، وتجسده أمتنا على أرض الواقع في كل زمان ومكان،  وعنوانه " لاقيمة  لنا ولا وزن إلا بالإسلام "، كما قال الإمام مالك رضي الله عنه : " لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها".



[1] - ولد الشاعر الجزائري  مفدي زكريا بغرداية سنة 1908م ، وتوفي بتونس سنة1977 م، وترك العديد من الآثار منها : إلياذة الجزائر ، واللهب المقدس.

[2] - مالك بن نبي ، شروط النهضة ، ص :  56.

[3] - ولد العلامة عبد الحميد بن باديس بقسنطينة – الشرق الجزائري -، سنة 1889م، وتوفي أيضا بقسنطينة سنة 1940م، وكان من علماء الأمة، أسس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين سنة 1931م ، وترك العديد من الآثار منها :  تفسير ابن باديس ، و مجالس التذكير من حديث البشير النذير.  

[4] - رواه البخاري برقم  6011.

[5] - كاتب وفيلسوف فرنسي  ولد سنة 1913م ، وتوفي سنة  2012م، اعتنق الإسلام سنة 1982م، وتزوج من امرأة فلسطينية تدعى سلمى التاجي الفاروقي، له العديد من المؤلفات منها :  وعود الإسلام ،  الإسلام يسكن مستقبلنا .

[6] -  للمزيد انظر: لعرج جبران ، البعد الإسلامي في الحركة الوطنية والثورة الجزائرية ، أطروحة دكتوراه ، جامعة سيدي بلعباس، الجزائر ، 2016/2017، ص : 305 وما بعدها بتصرف. 


: الأوسمة


المرفقات

التالي
تفكيك منظومات الاستبداد (٦١): لعنة الفراعنة
السابق
سماحة الشيخ علي القره داغي يشارك في مؤتمر علماء ألبانيا والبلقان ويدعو إلى نهضةٍ علميةٍ تُعيد العلماء إلى الميدان

مواضيع مرتبطة

البحث في الموقع

فروع الاتحاد


عرض الفروع