مقاصد العقيدة لفهم
أعمق وحراك مثمر: حوار مع د. نور الدين الخادمي يكشف أبعادها العلمية والتطبيقية
"نحو أفق جديد
للعقيدة الإسلامية، بغائية كونية ودافعية حضارية، بمراد الخالق سبحانه، ومن
أجل مصالح المخلوق"
نظّم الاتحاد العالمي لعلماء
المسلمين في مقره الرئيسي بمدينة الدوحة، يوم السبت الموافق 29 نوفمبر
2025، دورة علمية متخصّصة بعنوان "مقاصد العقيدة"، قدّمها
فضيلة الأستاذ الدكتور نور الدين الخادمي، عضو مجلس أمناء الاتحاد وأستاذ
الفقه وأصوله بكلية الشريعة بجامعة قطر.
واستمرت الدورة لأكثر من خمس
ساعات، تخللتها ورشات تفاعلية وتطبيقات عملية وجلسات نقاش معمّقة، جمعت بين
التأصيل العلمي والتنزيل العملي في موضوع العقيدة ومقاصدها، بما يعزز الفهم الراسخ
والمنهجي لهذا المجال.
وشهدت الدورة حضورًا وتفاعلًا
لافتًا من طلبة العلم والجامعيين والأكاديميين والدعاة، ضمن سلسلة الدورات العلمية
والتدريبية التي ينظمها الاتحاد بهدف تعزيز دوره العلمي والفكري.
كما عبّر المشاركون عن شكرهم
وتقديرهم للاتحاد والمحاضر، مؤكدين ما تركته الدورة من أثر معرفي مهم وإضاءات
عميقة في فهم العقيدة ومقاصدها.
على هامش الدورة…
أجرى المكتب الإعلامي للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين هذا الحوار مع مؤطّر الدورة
فضيلة الأستاذ الدكتور نور الدين الخادمي، للحديث حول أبرز محاور دورة "مقاصد
العقيدة" وأهم مضامينها.
السؤال: ما أبرز
المحاور التي تناولتموها اليوم في دورة "مقاصد العقيدة"؟
الإجابة:
عُقدت دورة "مقاصد
العقيدة" يوم السبت 29 نوفمبر 2025م، وتركز موضوعها على مقاصد العقيدة، حيث
تناولت محاور أساسية تمثلت في الحقول الخمسة للمقاصد، وهي:
·
حقل
مقاصد العقيدة
·
حقل
مقاصد الشريعة
·
حقل
مقاصد القرآن الكريم
·
حقل
مقاصد السنة النبوية
·
حقل
مقاصد السيرة
وتُعد هذه الحقول الخمسة الإطار
المرجعي الشرعي للمقاصد، باعتبار ارتباطها بالعقيدة والإيمان وأركانه، وبمقام
الخالق سبحانه وتعالى وحقيقة هذا الوجود الكوني، وكذلك ارتباطها بالإنسان من حيث
مصلحته في الدنيا والآخرة، ومن حيث فعله وحراكه في هذه الحياة، وما يتعلق بذلك من
أحكام شرعية ثابتة في القرآن والسنة، ومعروفة في الشريعة وأدلتها وأدبها وأحكامها.
وقد تناولنا الكلمات الكبرى
للمقاصد من جهة العقيدة والشريعة، بالإضافة إلى كلمات أخرى تتفرع عن مراد الله عز
وجل ومصلحة الإنسان، مثل: المفسدة في مقابل المصلحة، الوسيلة، الذريعة، القصد،
المآل، إلى جانب كلمات تفصيلية فرعية في علم المقاصد الشرعية على وجه التحديد.
كما تم التطرّق في الندوة -مع
التفصيل والتدليل والمناقشة من قبل الحاضرين والحاضرات- إلى المراد الإلهي، وهو
ثلاثة مرادات:
1.
مراد
الخلق والإنشاء
2.
مراد
التكليف والابتلاء
3.
مراد
البعث والجزاء
ويتأسس على هذه المرادات الثلاثة
مراد مصلحة المخلوق ومصلحة الإنسان؛ فالله سبحانه وتعالى أراد بخلقه وشرعه وجزائه
إصلاح الإنسان، وجلب مصالحه في الدنيا والآخرة.
وبإجمال شديد، تناولنا كذلك أفعال
الله عز وجل والإيمان وأركانه الستة: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم
الآخر وبالقدر خيره وشره، إلى جانب الحديث عن مراد الله سبحانه وتعالى باعتباره
أصل المقاصد وغايتها.
السؤال: ما الهدف
الرئيس الذي سعت إليه الدورة؟
الإجابة:
هدف هذه الدورة كان هدفًا رئيسًا
يتعلق بتبيين مفهوم مقاصد العقيدة، تبيينًا من حيث تفكيك عبارة
"المقاصد" وعبارة "العقيدة"، ومن حيث وصل المقاصد بالعقيدة؛
فمقاصد العقيدة هي غاياتها وأهدافها وأسرارها، ولماذا جاءت هذه العقيدة. ومن
الأهداف أيضًا تبيين حقيقة العقيدة، التي هي الإيمان وأركانه كما هو متقرر في علم
العقيدة والإيمان. كما أن العقيدة تمثل الحقيقة الكونية التي يتعلق بها الإيمان
وأركانه، وهذه الحقيقة الكونية، وهذا الوجود الكوني، هو وجود كوني لله عز وجل قد
خلقه وأنشأه لحكمته ومراده. وهذا الوجود الكوني يحتوي على وجود غيبي ووجود مادي
حسي؛ فالوجود الغيبي هو ما يأتي لاحقًا بيقين واعتقاد جازم وإيمان صادق، كقيام
الساعة وحصول الجزاء الإلهي، وكذلك ما يغيب عنا من حقائق ستظهر في أوقاتها بقدر
الله عز وجل وقضائه.
فالعقيدة إذن هي الحقيقة الكونية،
الماهية الكونية التي خلقها الله سبحانه وتعالى، ووضع فيها موجوداتها وأقواتها
وقوانينها وسننها، وسيرها بمقتضى المراد الإلهي ومشيئته سبحانه وتعالى. فالهدف
الأساسي للدورة كان تجلية المقاصد وتجلية العقيدة، وتجلية المقاصد الموصولة
بالعقيدة، وكيف أن هذه العقيدة تثمر في الإنسان بالعمل الصالح والعلم النافع،
وتدفعه إلى عمارة الأرض وإصلاحها، وتعزيز الخير، وتكثير المعروف، وتعزيز القيم،
وغير ذلك من المخرجات التربوية والعمرانية المادية والمعنوية التي تتأسس على
العقيدة الإسلامية الصحيحة المتينة.
كما أن العقيدة لها دافعية وتحفيز
على المستوى الفعلي الإنجازي، سواء الفردي أو الجماعي، التعبدي أو المدني،
والعمراني والحضاري، وفق مراد الله سبحانه وتعالى، وتطلّعًا إلى حسن الجزاء يوم
القيامة. وهذا يجعل هدف الدورة علميًا بيانيًا، عمليًا تربويًا، حضاريًا وعمرانيًا،
يتعلق بالأمة المسلمة التي تؤمن بهذه العقيدة. ومن هذه العقيدة جعل الله هذه الأمة
شاهدة على خيرية الدين وسطية، ختم بها الأمم كلها، وجعلها شاهدة على كل الأمم في
الدنيا والآخرة.
إضافة إلى ذلك، فإن هذه العقيدة
تحفز الإنسان الفرد —الرجل، المرأة، الشاب، الشابة، العالم والمتعلم، المطيع
والعاصي— وكل الأفراد والهيئات والجماعات، وكذلك المدن والدول والقطاعات
والأقاليم، والأمة ككل، باعتبارها العنوان الأكبر لكل المجموعات الإسلامية، وكذلك الإنسانية
باعتبارها العنوان الأكبر للوجود الإنساني في هذه الدنيا، على إقامة مراد الله عز
وجل، وتحكيم شرعه، وتكثير خير هذا الشرع، وتمكين الشعوب من العيش الآمن المشترك
برفاهية اقتصادية، وحسن معاش، وخدمات ضرورية، وبنية تحتية، وعدالة اجتماعية، وحكم
رشيد. كما تهدف العقيدة بالنسبة للعالم الإنساني إلى هدايته إلى صراط الله عز وجل،
وإرشاده للخير، وحثّه على أن يكون مؤمنًا بالله تعالى ومستجيبًا لمراده في العيش
الإنساني المشترك، والتعاون على البر والتقوى، كما قال تعالى: ﴿… نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي
الْحَيَاةِ الدُّنْيَا…﴾ [الزخرف: 32]، وقال تعالى: ﴿… وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ
حِينٍ…﴾ [الأعراف: 24].
ومن الأهداف أيضًا وصل مقاصد
الشريعة بمقاصد العقيدة، بمعنى وصل مصالح أحكام أفعال الناس المستقرة في حياتهم،
لأن حياة الناس وأفعالهم وتصرفاتهم محكومة بأحكام الشرع الإسلامي، وهذه الأحكام
تتضمن مقاصدها ومنافعها، وتدعو إلى منع الفساد والمضرة والهلاك. فهذه الأحكام تؤطر
حراك الإنسان من أجل مصالحه في الدنيا والآخرة، وتتأسس على العقيدة، وعلى مقام
الإيمان وأركانه، وعلى حقيقة هذا الوجود الكوني من حيث مصيره، وهو الآخرة، فالآخرة
تحفز الناس على المصلحة الدنيوية بفعل إيجابي، وعلم نافع، وأثر مبارك، وكل ذلك
الالتزام بأوامر الله سبحانه وتعالى بناء على الأحكام الشرعية المنظمة للأفعال
الإنسانية المتأسسة على العقيدة الإسلامية.
كما هدفت الدورة إلى وصل مقاصد
الشريعة ومقاصد العقيدة بمقاصد القرآن والسنة والسيرة، وقد عُرض هذا العرض عرضا
مجملا عاما؛ لأنه يحتاج إلى دورة كاملة وأكثر، إلا أن الهدف هو إرجاع مقاصد
الشريعة ومقاصد العقيدة إلى مقاصد القرآن، ومقاصد السنة، ومقاصد السيرة، باعتبار
أن هذه الحقول الثلاثة -القرآن، السنة، والسيرة- هي الحقول المؤسسة لمقاصد الشريعة
ومقاصد العقيدة. وبهذا يتم تعميق العلم والعمل بالمقاصد، ومواجهة السطحية
والانطباعية والشكلية والحرفية في علم المقاصد وتطبيقه عمليًا.
ما أهم النقاشات أو
الإشكالات التي طُرحت خلال الورشات؟
الإجابة:
الدورة كانت تفاعلية وحوارية،
اعتمدتُ فيها أسلوب السؤال والجواب، وبعض العصف الذهني، وخصصتُ جزءًا من الوقت
لمناقشة عدد من القضايا والمفردات، وكان هذا بقصد مني من أجل تحقيق التفاعل
والحيوية، ولتجنّب طريقة الإلقاء والسرد؛ لأن هذه الطريقة أولاً تُشعر بالملل، وثانيًا
تُضعف الفائدة، وثالثًا تحرمنا من التفاعل الإيجابي الذي يُثمر في الدورة.
وقد ألزمتُ نفسي منذ أكثر من
سنتين -وإن كان هذا قديمًا عندي- بأن أكتب بقلمي، وبعيون وزوايا الآخرين:
الكتابة بقلمي وتأليفي وحقّي
وجهدي، ولكن مع استحضار ما يَرِدُ عند الآخرين من أسئلة وإشكاليات وإضافات. وهذا
ما يُعرف بالنقاش التفاعلي؛ حيث أضبط ما يحتاجه الناس من خلال أسئلتهم ونقاشهم
وإشكالياتهم، وأضبط ما يكون بحاجة إلى كتابة مني وتأليف وتحقيق وتحرير بناء على
هذه الحاجيات. وهذا أمر مهم في العملية التعليمية التعلمية التفاعلية الحوارية،
وليس مجرد إلقاء درس أو محاضرة ثم الانصراف.
أما النقاشات التي دارت، فقد
تركزت - فضلا عن الجانب
المنهجي التفاعلي الحواري- على أسئلة في بعض المصطلحات في المقاصد: مقاصد العقيدة،
ومقاصد الشريعة، مثل سؤال: ما معنى مراد الله سبحانه وتعالى؟ وكيف نعرف مراد الله
سبحانه وتعالى؟ وكذلك معنى المصلحة. وقد توسعتُ في بيان حقيقة المصلحة، وهي حقيقة
موجودة في العلم ومؤكدة في النصوص وجارية في الواقع.
وقد شرحتُ ما أسميته المصلحة
الكونية، وهي: مصلحة الإنسان في الدنيا والآخرة؛ مصلحته في الدنيا وهي المصلحة
الشرعية، ومصلحته في الآخرة وهي المصلحة الجزائية الأخروية، وكذلك مصلحته الخَلقية
الفطرية الأساسية التي خلقه الله عز وجل عليها. فالله
عز وجل خلق الإنسان مصلحة، وفطرة سوية، وصفحة بيضاء، وقابلية لتحصيل منافعه في
الدنيا وسعادته في الآخرة، وقابلية لجلب النفع المادي والمعنوي. وبناءً على هذه
الفطرة المخلوقة —الفطرة القابلة للإصلاح والصلاح والمصلحة— تتأسس المصلحة
الخَلقية، أو الخَلق المصلحي، الذي يتأسس عليه الشرع المصلحي والجزاء المصلحي. هذه
كانت من أهم النقاشات المتعلقة بالمصلحة والمراد.
وتناولنا أيضًا نقاشات أخرى في
القضاء والقدر، وأسئلة تتعلق بأوضاع بعض المسلمين الذين يعيشون في بلاد غير
إسلامية، من حيث إيمانهم وتديّنهم، وكذلك العكس: غير المسلمين الذين ينشؤون في
بلاد إسلامية، وأثر ذلك في الإيمان وتجديده وتقويته. وقد تناولنا هذه القضية بشيء
من التحقيق، وبيّناها في ضوء مقاصد العقيدة والإيمان، وفي ضوء مقاصد الشريعة
المتعلقة بأفعال الناس وسياساتهم ومناهجهم وخطابهم وأساليبهم التربوية والإعلامية
والاتصالية، باعتبارها قضية نازلة قديمة جديدة.
كما طُرح نقاش حول بعض التيارات
والمناهج والمذاهب التي تتعامل مع العقيدة والشريعة بأنماط وأشكال مختلفة، سواء في
الداخل الإسلامي أو في الخارج. وبيّنا أن هذه التيارات والمذاهب والتصورات
والاتجاهات ليست إلا تمثلات نظرية وسلوكية وفردية وجماعية وسياقية للعقيدة في
مدلولها وحقيقتها، وللشريعة كذلك في مدلولها وحقيقتها. وإذا قلنا إنها تمثلات
ذهنية وسلوكية وسياقية، فردية وجماعية، في الداخل الإسلامي والخارج، فإن ذلك يقتضي
أن تُناقش وفق مسارها السياقي والفعلي، بتشخيص الواقع، ورصد معطياته وملابساته،
واستجماع ما يلزم من أسس التقويم والاستنتاج، والبناء على ذلك.
السؤال: ما أهم
النتائج أو الرسائل التي تودون التأكيد عليها بعد ختام الدورة؟
الإجابة:
بالنسبة إلى نتائج هذه الدورة، فهي
كالتالي:
·
النتيجة
الأولى: لمستها من تفاعلات الحاضرين والحاضرات، وهي الاقتناع بضرورة الطرح العلمي
المحقق والمحرر، وكذلك الابتهاج بما حصلوا عليه من معلومات جديدة بطريقة مهندسة
ومرتبة، وفق نمط منهجي عِلّي، فلسفي، ترتيبي، رياضي، يُسهّل عملية الاستيعاب
والفهم، وعملية التحليل والاستنتاج، ويفتح آفاقًا أخرى للربط مع المصطلحات الشرعية
وغير الشرعية، ومع العلوم والنظم، ومع الواقع، والأحداث، والظواهر.
وهذه
نتيجة حقيقة مهمة لابد من البناء عليها، وهي ثمرة المنهج المتبع في الدورة، من حيث
الحوار التفاعلي والنقاشي والجدلي والعصف الذهني، ومناقشة بعض القضايا، وكذلك من
حيث إشعار الحاضرين والحاضرات بأنهم بموقع مهم في إثراء الدورة وتطويرها، وتحفيز
مقدم الدورة معنوياً ومع معلوماتياً.
كما تفتح
الطريقة الحوارية التفاعلية زاوية أو نافذة قد لا يراها المؤلف أو الكاتب أو مقدم
الدورة، ما يجعله يكتب ويبحث ويدرب بناءً على هذه الانفتاحات والزوايا، التي قد لا
يستطيع الوصول إليها لزخامة الأحداث أو لطبيعته الذاتية، إذ ينظر بذاته وبعينه ولا
ينظر بعيون الآخرين. لذلك كانت هذه الطريقة تفتح آفاقًا رحبة بطرح الإشكاليات
والأسئلة المحيرة لمن يلقيها، وكذلك بطرح معلومات جديدة، مثل عناوين كتب أو مقالات
أو فوائد في التفسير، أو في العقيدة، أو في الحديث النبوي الشريف، أو في الأصول؛
كل هذا يثري النشاط ويحفز القائم بالدورة والحاضرين والحاضرات على المزيد.
هذه
النتيجة مهمة جدًا، فهي تعزز الوعي، وتزيد الاقتناع بأهمية المنهج العلمي في البحث
العلمي، وبقضية الشراكة والتفاعل، وكذلك بطريقة عرض المعلومة، سواء بطريقة Microsoft PowerPoint أو الرسوم والكلمات
والشروح، أو بطريقة الأسئلة والتقارير والاستنتاج، وما إلى ذلك.
رسائل الدورة:
1.
الرسالة
الأولى: مزيد من الاهتمام الدقيق والعميق بمقاصد العقيدة، وبكل العلوم الأخرى التي
لها أثر في الواقع.
2.
الرسالة
الثانية: تجاوز السطحية والحرفية في العلم، وضرورة الإقبال على تجديد العلم وربطه
بالواقع، وكذلك ربطه بالعلوم الأخرى، ما يُعرف بـ"البينية العلمية" أو
التكامل المعرفي، وترتيب الأثر التربوي، والأثر العمراني، والأثر الحضاري لأي علم
من علوم الشريعة، أو أي علم من العلوم الإنسانية والاجتماعية والكونية.
هذه هي الرسائل المهمة، التي —إن
شاء الله تعالى— ستفتح مزيدًا من التطوير للدرس العلمي في المعهد والجامعة،
وللخطاب العلمي في المسجد والمجتمع، وللتوجيه العلمي والبحث العلمي، وما إلى ذلك.
السؤال: كلمة
أخيرة؟
الإجابة:
أحمد الله -سبحانه وتعالى- على
تيسير هذه الدورة وإتمامها. وأحسب أن هذا العمل الذي دام خمس ساعات في يوم إجازة
(يوم السبت)، وجاءه عدد غير قليل من الرجال والنساء، ونُظِّم شأنه في مقر الاتحاد
العالمي لعلماء المسلمين بحضور وإدارة الإخوة المعنيين بالإعلام والإدارة
والتسيير، كل هذا إنما هو إنجاز. ونعتقد اعتقادًا جازمًا أن الله -سبحانه وتعالى-
لن يضيعه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ
أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: 30].
نحمده على ذلك، وعلى توفيقنا في
عرض هذه الدورة وإتمامها، والمأمول هو ما سيُبنى عليها من أعمال أخرى، ودورات
مستقبلية، ومدارسات كثيرة تتناول بعض مفردات الدورة وغيرها.
أما الكلمة الختامية، فهي لزملائي
وأقراني وطلابي وأساتذتي وأحبائي جميعًا. كلمتي لهم: نتنادى إلى كلمة سواء في
العلم والعمل في وقتنا الحالي، في قضايانا المعاصرة، في حاجيات شعوبنا وأمتنا، وفي
متطلبات إصلاحاتنا وإنجازاتنا، وما نتطلع إليه من تحقيق للمصلحة، وامتثال مراد
الله تعالى، ودرء المفاسد، وإبعاد الشقاء الإنساني وعذابات الإنسانية في مجالات
كثيرة.
نتنادى جميعًا: أفرادًا ومؤسسات،
معاهد وجماعات وجمعيات، جامعات ومجامع. نتنادى يوم الجمعة وفي سائر الأيام، نتنادى
بالبحث العلمي والدرس العلمي والإفتاء العلمي، ونتنادى بالعمل الإعلامي ومواقع
التواصل الاجتماعي، ونتنادى بسياسات الدول وقوانينها ومؤسساتها، وبحراك المجتمع
وأنشطته وفعاليته، وبنخبة ومجموع الأمة، إلى كلمة سواء في علم نافع، بمفهومه
الواسع، المحرر، الأصيل، المتين، المثمر.
ونتوجه إلى العمل الصالح بمفهومه
الواسع: عملًا تعبدياً وشعائريًا، وعملاً اجتماعيًا، واقتصاديًا، وتنمويًا، وعملاً
إعلاميًا وفنيًا وثقافيًا، وعملاً سياسيًا وقانونيًا ودستوريًا، إقليميًا ودوليًا.
نتنادى إلى عمل صالح بهذا المفهوم الواسع المحرر الأصيل المتين، كما قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ
الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ۚ …﴾ [سورة فاطر: 10].
ومن مستلزمات هذه الكلمة: كلمة
السواء في العلم والعمل، ما عبر عنه العلماء بتحقيق العلم، وتحرير مصطلحه، وتحرير
محل النزاع فيه، وترتيب أثره وتحقيق ثمراته، وأن يكون علمًا لله عز وجل خالصًا،
صادقًا، تامًا، وأن يكون بمصالح الإنسان في الدنيا وسعادته في الآخرة، في جنات
ونهر عند المليك المقتدر.
شكرًا لكل الحاضرين والحاضرات،
وشكرًا للفريق الإعلامي، وللهيئة الإدارية والتسييرية، وشكرًا لمن يتابع مخرجات
الدورة وينشرها ويفيد بها.
دعواتي لهم بأن يقبل الله عز وجل منا جميعا هذا
العمل، ويجعله مدخرًا لنا جميعًا يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ
مُحْضَرًا …﴾ [آل عمران: 30].
نسأل الله أن يرحم الوالدين
والوالدات، وأن يبارك في الأزواج والذرية، وأن يبارك في شعوبنا وأمتنا، وأن يبارك
في دولة قطر والأمة كافة.
إنه ولي ذلك والقادر عليه، وآخر
دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والله ولي التوفيق، والسلام عليكم ورحمة الله
وبركاته.
(المصدر: المكتب الإعلامي)