البحث

التفاصيل

في زمن الفتن لماذا نحتاج إلى الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين؟

الرابط المختصر :

في زمن الفتن لماذا نحتاج إلى الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين؟

بقلم: أحمد شوقي عفيفي

داعية إسلامي وكاتب بنغالي

 

الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين مؤسسة علمية إسلامية دولية مستقلة، تضم كوكبة من علماء الشريعة والفكر من مختلف أقطار العالم الإسلامي، وتنهض برسالة ترشيد الخطاب الديني، وتعزيز حضور العلماء في قضايا الأمة المصيرية، والدفاع عن القيم الكبرى للإسلام، وفي مقدمتها العدل والحرية وكرامة الإنسان.

كما يؤكد الاتحاد، في منهجه ومواقفه، استقلالية الفتوى ورفض توظيف الدين أداة لتبرير الظلم أو إضفاء الشرعية على الاستبداد، وقد برز منذ تأسيسه بوصفه منصة علمية جامعة، تسعى إلى تحقيق التوازن الدقيق بين فقه النص وفقه الواقع في زمن التحولات العاصفة والفتن المتلاحقة.

لم تكن الفتن في تاريخ الأمم مجرد وقائع عابرة أو طوارئ مرحلية، بل كانت دائما لحظات كاشفة، تسقط فيها الأقنعة، وتتعرى فيها المواقف، ويختبر فيها صدق الانتماء إلى القيم قبل الشعارات، وإلى المبادئ قبل المصالح.

غير أن ما يميز زمننا الراهن أن الفتنة لم تعد محصورة في ميدان بعينه، بل تمددت في السياسة والدين والإعلام والهوية، حتى غدت حالة شاملة تضغط على وعي الفرد، وتربك مسار الجماعة، وتهز استقرار الدولة.

وفي هذا الزمن الملبد بالاضطراب، حيث تتشابك المصالح مع الخطاب الديني، وتتحول الفتوى أحيانا من أداة هداية إلى وسيلة صراع، ينهض سؤال مركزي لا يمكن القفز عليه:

من يتكلم باسم القيم حين تختنق الحقيقة؟

ومن يصون للدين معناه الأخلاقي حين يستعمل لتبرير الظلم أو صناعة الكراهية؟

هنا تتجلى الحاجة الملحة إلى الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، بوصفه إطارا علميا وأخلاقيا يسعى إلى حماية دور العلماء، وصيانة الدين من التوظيف السياسي، وتقديم خطاب جامع في زمن الانقسام والالتباس.

الفتنة بوصفها أزمة وعي، فالفتنة، في جوهرها العميق، ليست مجرد صدام سياسي أو اضطراب أمني، بل هي قبل ذلك أزمة وعي، واختلال في المعايير، واختلاط في المفاهيم، حيث يلتبس الحق بالباطل، ويلبس الصمت ثوب الحكمة، ويقدم التبرير على أنه فقه، وتختزل القيم في حسابات السلامة والخوف.

الفتنة في جوهرها ليست مجرد صدام دموي أو نزاع سياسي عابر، بل هي قبل ذلك كله أزمة وعي عميقة.

إنها اللحظة التي تختلط فيها المفاهيم، فيلبس الباطل ثوب الحق، ويقدم الصمت على أنه حكمة، والتبرير على أنه فقه، والخضوع على أنه مصلحة عامة.

وفي مثل هذه اللحظات الملتبسة، لا يكمن الخطر الحقيقي في اضطراب الواقع فحسب، بل في انكسار البوصلة الأخلاقية التي تهدي الضمير وتضبط الاتجاه.

لقد عرف العالم الإسلامي خلال العقود الأخيرة موجات متلاحقة من الفتن، تجلت في انقلابات سياسية، وحروب أهلية، وصراعات مذهبية، واستبداد متجذر، وتدخلات خارجية سافرة. غير أن العامل الحاسم في كثير من هذه المحطات لم يكن السلاح وحده، بل كان تشويه الوعي الديني، وإقصاء العلماء المستقلين، وصعود خطاب ديني مسيس، يُسّخر حينا لتبرير السلطة، وحينا لتغذية الفوضى.

وحين يغيب العلماء الحقيقيون عن المشهد، لا يظل الفراغ قائما طويلا، إذ سرعان ما تملؤه أصوات أخرى، لا تمتلك عمق العلم ولا أمانة الرسالة، لكنها تتقن الصراخ والتجييش والتسويق.. وعندئذ تتحول الفتنة من أزمة سياسية إلى كارثة معرفية، يصبح فيها الدين مادة إعلامية، والفتوى رأيا عابرا، والعالم تابعا يدور في فلك الأقوى صوتا لا الأصدق حجة.

ويفيض التاريخ الإسلامي بالشواهد التي تؤكد أن أخطر لحظات الأمة هي تلك التي يدفع فيها العلماء إلى الصمت أو التهميش، أو يرغمون على الاصطفاف القسري تحت ضغط السلطان أو سطوة الفتنة.

وفي المقابل، فإن لحظات النهوض الكبرى ارتبطت دائما بعلماء امتلكوا الاستقلال والشجاعة، ورفضوا أن يكونوا أدوات في يد السلطة أو وقودا في معارك الفتن.

فكرة الاتحاد قبل مؤسسة الاتحاد

إن الحاجة إلى الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين لا تنبع فقط من كونه منظمة دولية تضم علماء من مختلف البلدان، بل من كونه فكرة قبل أن يكون كيانا، ورؤية فكرية قبل أن يتحول إلى إطار مؤسسي.

فكرة جوهرها أن العلماء، مهما تنوعت مدارسهم الفقهية أو تباعدت انتماءاتهم الجغرافية، قادرون على الاجتماع حول القيم الكبرى التي تشكل لب الدين وروحه: العدل، والحرية، وكرامة الإنسان، وحرمة الدم، ورفض الظلم بكل صوره وتجلياته.

لقد جاء الاتحاد في زمن كانت فيه المرجعيات الدينية تعاني التشتت والاضطراب، وكان المسلم العادي يعيش حالة من الحيرة بين فتاوى متناقضة، وخطابات متصارعة، وسلطات تدعي احتكار الشرعية الدينية وتسخيرها لخدمة مصالحها. وفي هذا السياق الملتبس، سعى الاتحاد إلى تقديم نموذج لمرجعية علمية مستقلة، لا تصادر حق الاجتهاد، ولا تفرض وصاية فكرية، لكنها في المقابل ترسم حدودا أخلاقية واضحة لا يجوز تجاوزها، وتؤكد أن الخلاف المشروع لا يبرر الانحراف عن القيم الجامعة.

توحيد الصوت لا توحيد الرأي:

ومن أبرز الأدوار التي اضطلع بها الاتحاد سعيه إلى توحيد الصوت الأخلاقي للأمة، لا إلى توحيد الرأي الفقهي.

فالتنوع في الاجتهاد سنة علمية راسخة ومصدر ثراء للفكر الإسلامي، غير أن التوافق على المبادئ الكبرى يظل ضرورة أخلاقية ملحة، لا سيما في زمن الفتن والانقسام. ومن هذا المنطلق، لم يكن الاتحاد إطارا لفرض قراءة واحدة للنصوص أو إلغاء التعدد، بل منصة لحوار علمي رصين يوازن بين النص والواقع، وبين الثوابت والمتغيرات، دون إخلال بالأصول أو انسياق وراء ضغوط اللحظة.

وفي عالم تتكاثر فيه المنابر، وتتنافس فيه المرجعيات، وتختلط فيه الأصوات الصادقة بضجيج الإعلام، يشكل هذا الدور قيمة مضافة حقيقية، لأنه يمنح المسلمين مرجعية تستند إلى العلم لا إلى القوة، وإلى القيم لا إلى المصالح الآنية، وتعيد الاعتبار لدور العالم بوصفه ضميرا حيا، لا مجرد مفسر للنص أو تابع للواقع.

مواقف في قضايا الأمة الكبرى:

لم يتردد الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين في اتخاذ مواقف صريحة إزاء القضايا الكبرى التي تمس ضمير الأمة ووجدانها الجمعي، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، ورفض الاحتلال، والدفاع عن حقوق الشعوب في الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية.

كما عبر الاتحاد عن مواقفه الواضحة من الاستبداد والقمع وانتهاك حقوق الإنسان، حتى في اللحظات التي كانت فيها كلفة الموقف باهظة، وثمن الكلمة الحرة مضاعفا.

ولم تكن هذه المواقف محل إجماع دائم، ولا ادعى الاتحاد يوما امتلاك الحقيقة المطلقة، لكنها كانت في جوهرها تعبيرا عن فقه الموقف، لا فقه التبرير، فالعالم، في منطق الاتحاد، ليس موظفا لدى السلطة، ولا مراقبا محايدا أمام الظلم، بل شاهد على عصره، ومسؤول عن البيان، وأمين على القيم التي يحملها العلم قبل أن يحملها النص.

ومن أخطر ما أفرزته فتن العصر شيوع ما يمكن تسميته فقه السلامة، أي السعي إلى النجاة الفردية ولو كان الثمن التفريط في القيم العامة، أو الصمت عن الظلم، أو تبرير الانحراف.

وفي مقابل هذا المنطق، يطرح الاتحاد ما يمكن وصفه بفقه النجاة الجماعية، حيث تتقدم سلامة المجتمع والضمير العام على سلامة الموقع الشخصي، ويصبح الحفاظ على المعنى الأخلاقي للدين أولوية لا تقبل المساومة.

ولم يكن هذا الاختيار يسيرا، إذ جر على الاتحاد وأعضائه حملات تشويه ممنهجة، وضغوطا سياسية وإعلامية متواصلة، غير أنه في الوقت نفسه أكد حقيقة لا تخطئها التجربة: أن الاستقلال له ثمن، وأن الكلمة الحرة لا تمنح بلا كلفة، وأن الوقوف في صف القيم يظل، رغم كل شيء، أصدق أشكال الشهادة على العصر.

حملات التشويه وسؤال الاستقلال:

ليس غريبا أن يتعرض الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين لحملات منظمة من التشويه والتجريم، فكل مؤسسة تسعى إلى صون استقلالها في زمن الاستقطاب الحاد تصبح هدفا مباشرا.

وقد عملت بعض الأطراف على تصوير الاتحاد بوصفه كيانا سياسيا أو أداة أيديولوجية، متجاهلة طبيعته العلمية، وتعدد خلفيات أعضائه، واختلاف مدارسهم واجتهاداتهم.

غير أن السؤال الأعمق لا يكمن في صحة هذه الاتهامات أو بطلانها، بل في دوافعها الكامنة: لماذا ينظر إلى العالم المستقل بوصفه خطرا؟

ولماذا يتحول الدفاع عن المظلوم إلى تهمة؟ ولماذا يراد للعلماء أن يكونوا إما صامتين طلبا للسلامة، أو مبررين يضفون الشرعية على واقع مختل؟

إنها أسئلة تكشف حجم القلق الذي تثيره الكلمة الحرة في بيئات لا تحتمل الاستقلال ولا تقبل النقد.

الحاجة المتجددة إلى العلماء:

على الرغم من التحولات العميقة التي شهدها العالم، لا تزال الحاجة إلى العلماء قائمة، بل متزايدة بإلحاح.

فالتقدم التقني، على أهميته، لم يلغ الحاجة إلى القيم، والإعلام، على اتساع تأثيره، لم يعوض غياب البوصلة الأخلاقية، والسياسة وحدها عاجزة عن الإجابة عن أسئلة المعنى والغاية.

وفي زمن الفتن، تتأكد الحاجة إلى علماء يجمعون بين الفقه والوعي، وبين الشجاعة والحكمة، ويمتلكون القدرة على قراءة الواقع دون الارتهان له.

يحتاج المسلمون إلى علماء يفهمون تعقيدات العصر من غير أن يذوبوا فيه، ويخاطبون العالم بلغة زمانهم من غير أن يفقدوا جذورهم، ويقفون مع الإنسان قبل السلطة، ومع القيم قبل الحسابات، ومع الحق قبل الاصطفافات الضيقة.

وفي زمن الفتن، لسنا بحاجة إلى شعارات إضافية بقدر حاجتنا إلى معنى.

معنى أن يبقى للعلم صوت مسموع، وللضمير مكان محترم، وللدين دوره الأخلاقي والإنساني.

والاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، بما له وما عليه، يمثل محاولة جادة للحفاظ على هذا المعنى في عالم يضيق فيه الهامش بين الصمت والشهادة.

لسنا بحاجة إلى الاتحاد لأنه معصوم من الخطأ، بل لأنه يسعى إلى الاستقلال.

ولسنا بحاجة إليه لأنه كامل، بل لأنه يذكرنا بأن الدين لا يكون في صف الظلم، وأن العالم لا يكون تابعا، وأن الفتنة لا تواجه بالصمت، بل بالبصيرة والبيان.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

المراجع:

1- الموقع الرسمي للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

2 - فقه الأولويات، تأليف: الدكتور يوسف القرضاوي.

3 - العلماء والسلطة، تأليف: الدكتور يوسف القرضاوي.


: الأوسمة


المرفقات

التالي
مسيرة التنمية في العالم الإسلامي خلال قرن: رؤية إسلامية نقدية للنماذج الغربية
السابق
نحو مصارف إسلامية رائدة

مواضيع مرتبطة

البحث في الموقع

فروع الاتحاد


عرض الفروع