المكر الصهيوني في ضوء القرآن والتاريخ
بقلم: د. سعد الحلبوسي
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
لقد سلّط القرآن الكريم ضوءًا كاشفًا على تاريخ بني
إسرائيل لا بوصفه سردًا قصصيًا جامدًا، بل بوصفه تحليلًا أخلاقيًا وسياسيًا لسلوك
جماعي لفئة من البشر حين تنحرف عن مقتضى العهد وتستبدل الرسالة بالامتياز والدين
بالمصلحة والاصطفاء بالتفوق العنصري، ومن يقرأ القرآن قراءة سننية يدرك أن التحذير
لم يكن من اسمٍ أو نسب، بل من نموذجٍ في التفكير والممارسة.
ولذلك كشف حقيقتهم ودخائل أنفسهم وكيف يتعاملون مع
غيرهم وحذر منهم لكن هل حقّاً عرفنا هؤلاء البشر في الواقع حق المعرفة؟ وفهمنا
سياساتهم القائمة على المكر والخداع والإفساد في الأرض والعلو والاستكبار وإيقاد
الفتن وتحريف الكلم عن مواضعه؟ حسبنا قول
الله تعالى: (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ
عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا) [المائدة:
82].
فالقرآن لا يتعامل مع بني إسرائيل باعتبارهم "آخرًا
دينيًا" فقط، بل بوصفهم تجربة تاريخية متكررة نقض
للمواثيق تحريف للخطاب وتوظيف للدين في خدمة السلطة وإفساد في الأرض باسم الوعد
الإلهي، ولذلك جاءت الآيات شديدة الوضوح في توصيف العداء حين يتحول الخلاف إلى منهج
استعلاء وعدوان.
إن الموقف من هذا النموذج – كما يقدمه القرآن – ليس مسألة مصالح عابرة ولا خلافًا سياسيًا مؤقتًا،
بل مسألة وعيٍ عقدي وأخلاقي، فالقرآن لا يساوي بين من يقاتل ومن لا يقاتل ولا يعمم
الذنب لكنه في الوقت نفسه لا يموّه على السلوك حين يصبح نهجًا متعارف عليه بينهم.
فالموقف الشرعي من هذه الفئة من البشر التي باءت
بلعنة الله تعالى: (لُعِنَ الَذِينَ كَفَرُوا مِنْ
بَنِي إسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا
عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ) [المائدة:
78] ليس مسألة خلافية في المصالح المحدودة وليس مسألة متوهمة كما سماها أحدهم (كسر
للحاجز النفسي) فقط.
وعندما ننتقل من النص إلى الواقع المعاصر فإننا نجد
أن المشروع الصهيوني قد أعاد إنتاج هذا النموذج بكل تفاصيله، احتلال أرض وتشريد شعب
وتزوير تاريخ وتوظيف النص الديني لتبرير الإبادة وفرض واقع بالقوة ثم المطالبة
بالاعتراف به باسم السلام.
المسألة مع (أحفاد القردة والخنازير) هي مسألة
عقيدة لا يمكن بحال للمسلم أن يتساهل فيها فقد وقفوا وقفاتهم المعروفة من معادات
ديننا قديما وحديثا رغم ما قدمه لهم من (إحسان). ومع ذلك فقد وجدنا في كتبهم
المحرفة (كالتوراة) والموضوعة (كالتملود) ما يندى له الجبين من عداء للإنسانية
عامة وللإسلام والمسلمين بخاصة مما لا يتسع المجال لبيانه وليس آخره احتلال (أرض
الإسراء والمعراج) وتشريد أهلها وسوم من بقي منهم سوء العذاب، ولا يزال هذا
الاجرام على مدى أكثر من 75 سنة وآخره ما لحق بالأبرياء العزل بعد طوفان الاقصى.
الغريب –
والمؤلم – أن هذا الاحتلال بكل ما يحمله من عدوان واجرام وجد من بين العرب
والمسلمين من أسلم له القياد، وروّج لوهم "السلام" واعتبر أن المشكلة
وأن الصراع سوء تفاهم لا اغتصاب أرض ونسي أن هذه الارض مقدسة وهي ملك جميع
المسلمين ولا يجوز بحال من الاحوال التنازل عن شبر منها مهما كلفنا ذلك من تضحيات
ومهما كلفنا ذلك من ثمن.
والعجيب ايضا أن بعض حكومات المنطقة تتداعى نحو
التطبيع تداعي الفراش على النار بينما الاستيطان يتوسع والاحتلال يترسخ والقدس
تُهوَّد وغزة تُخنق، ونسي هؤلاء ان القرآن الكريم قال عنهم: ﴿وَلَنْ تَرْضَىٰ عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا
النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ۗ﴾ [البقرة: 120] ولم
يقدّم المشروع الصهيوني أي إشارة حقيقية على جنوحه للسلم بل قدّم – في كل مرة –
دليلاً جديدًا على أن السلام عنده تكتيك مؤقت لا قناعة أخلاقية، والحقيقة التي يجب
ان يعلمها جميع المسلمين أن هؤلاء هم محتلون معتدون ومواقفهم المتطرفة والمتشنجة
من استمرار الاحتلال وبقاء المستعمرات وبقاء المستوطنين هي مواقف تهدد الأمن
والاستقرار في المنطقة كلها.
وحين ننظر
إلى المشهد السياسي نرى الأحزاب الأكثر تطرفًا – وعلى رأسها التيار اليميني الحاكم
– تمسك بزمام القرار ويقف قادته وعلى رأسهم "نتنياهو" متبجحين أمام
الكونغرس واللوبيات الداعمة لا يخجلون من إعلان أن القوة هي اللغة الوحيدة وأن
التنازل خطيئة وأن الاحتلال قدرٌ أبدي.
أما محاولات التجميل الدبلوماسي والتنقل بين
العواصم وإظهار المرونة الشكلية فليست سوى مناورات لإدامة "مشروع
الاحتلال" لا مراجعات حقيقية له، وفي الوقت الذي تُدار فيه هذه اللعبة، يُرسل
المبعوثون سرًا وعلنًا لتثبيت مسار التطبيع وكأن الدم الفلسطيني لا قيمة له ويمكن
تجاوزه.
إن الذي يوقف هذا المسار ليس فقط خطاب الشجب ولا
بيانات القلق، بل العودة إلى الحق من بوابته الصحيحة بوحدة الموقف وصدق الانتماء والوعي
الحقيقي، والمواجهة بكل اشكالها ووسائلها.
وحين تستعيد الأمة وعيها وتمنح القوس لباريها
وتُحسن قراءة القرآن بوصفه كتاب هداية وسنن لا كتاب شعارات، حينها فقط سيفهم هذا
الكيان المسخ من هم خصومه وبأي دينٍ يصطدم وأي أمةٍ يواجه، وسيزول بإذن الله، ولن
تذهب دماء الشهداء سدى، بل هي ثمن التحرير القادم الذي ينتظره احرار العالم، وإنه
لجهاد نصر أو استشهاد، والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*
ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي
الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.