البحث

التفاصيل

استقالة الدكتور محمد غورماز: "حين يغيب التثبت"

الرابط المختصر :

استقالة الدكتور محمد غورماز: "حين يغيب التثبت"

كتبه: أ. د. سالم الشيخي

 

من أخطر ما ابتُليت به ساحة الإعلام اليوم أن تُستعمل الصفات الشرعيّة والألقاب الإسلاميّة بوصفها “ممرًا آمنًا” إلى عقول الناس وقلوبهم، دون أن يكون حاملها ملتزمًا بأصلٍ من أصول الإعلام الملتزم: التبيُّن والتثبُّت.

فليس كلّ من كتب في الشأن العام، أو علّق على الأحداث، أو ظهر في صورة “المحلّل السياسي”، يكون قد أدّى حقّ الكلمة، ولا كل من وضع أمام اسمه عبارة “إعلامي إسلامي” صار حكمُه على الوقائع حكمًا معتبرًا، ولا تحليله لها تحليلاً أمينًا.

بل إنّ الكلمة في هذا الباب أشبه ما تكون بالشهادة: إن لم تُبنَ على علمٍ وصدقٍ وعدلٍ أصبحت شهادة زور… وإن تزيّت بلباس الدين.

الإعلام الإسلامي الملتزم ليس مجرّد “موقف سياسي”، ولا “زاوية تفسير”، ولا “اصطفاف مع فريق ضد فريق”، بل هو قبل ذلك كلّه منهج أخلاقي ينبني على جملة قواعد، في مقدمتها:

التبيُّن قبل النشر، التثبُّت قبل التحليل، وقد جعل الشرع هذا الأصل قاعدة عامة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا}.

إنّ من أكبر الأزمات اليوم: أن يتعامل بعض من يقدّم نفسه على أنّه “إعلامي إسلامي” مع الوقائع والأخبار بمنطقٍ بعيد عن التبيّن، ثم يلبس ذلك ثوب التحليل، فيصير الناس أمام “رواية مُفبركة” لا أمام “قراءة سياسيّة”.

والتحليل ليس جوازًا لعبور الكذب، ولا نافذة لتسويغ الكلام دون دليل.

فحين يتجرأ الكاتب على الجزم بسبب حدثٍ معيّن دون تثبّت، ويقدّمه على أنّه حقيقة، فهذا ليس تحليلًا… بل صناعة اتهام.

ومن المؤسف أن أكتب هذا الكلام بسبب منشورٍ نُشر لكاتب إسلامي، حول سبب استقالة الدكتور محمد غورماز، رئيس الشؤون الدينية التركي سابقا، من منصبه (نائب رئيس الاتحاد) حيث ذكر فيه أنّ الاستقالة تأتي في سياق مواقف الدكتور علي محي الدين القره داغي رئيس الاتحاد، المدافعة عن ميليشيات قسد الانفصالية في سوريا.

وهذا الكلام - وأقولها بوضوح ومسؤوليّة - كذبٌ صريح لا يمتّ للحقيقة بصلة.

لا لأنّني أعترض على الكاتب من جهة شخصيّة، ولا لأنّني أخالفه في تقدير سياسي، وإنّما لأنني واكبت فكرة الاستقالة من بدايتها، وتابعت تفاصيلها بصلات مباشرة مع الدكتور محمد قرماز نفسه، وهو الذي حدثني عن أسبابها بوضوح:

إنّها تعود إلى التفرغ للعمل الأكاديمي في الجامعة الإسلاميّة العالميّة.

فكيف يجوز بعد ذلك أن يتحول خبر الاستقالة إلى مادة تشكيك، أو رواية صراع سياسي، أو قراءة مزاجيّة؟

إنّ الأخبار في الشأن الإسلامي ليست كغيرها، والحديث عن العلماء والمؤسسات الإسلاميّة ليس مجالًا للمزايدة.

إنّ الأكاذيب في هذا الباب تُحدث آثارًا شديدة الضرر، منها:

-       ضرب الثقة في المؤسسات الإسلاميّة

-       إشعال الفتن داخل الصف الواحد

-       تشويه العلماء واتهامهم بلا بينة

-       تحويل الاستقالات الطبيعيّة إلى مؤامرات

-       بناء تصورات الناس على أوهام

وهذا كله - حين يصدر من شخص يقدم نفسه على أنّه “إسلامي” - يكون أبلغ في الإفساد، لأنّ الناس تمنحه الثقة ابتداءً.

من حقك أن تحلل، ومن حقك أن تختلف، ومن حقك أن تنتقد، لكن ليس من حق أحد -أيًّا كان - أن يصنع رواية كاذبة ثم يقدمها باسم التحليل.

وإذا كان الإعلام الإسلامي يريد أن يبقى محترمًا، فليبدأ من هذه القاعدة:

لا خبر بلا تثبّت… ولا تحليل بلا أمانة… ولا موقف بلا عدل.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

* أ. د. سالم الشيخي عضو المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث. عضو مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا.


: الأوسمة


المرفقات

التالي
دور الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين في رأب الصدع بين المسلمين
السابق
المكر الصهيوني في ضوء القرآن والتاريخ

مواضيع مرتبطة

البحث في الموقع

فروع الاتحاد


عرض الفروع