دور الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين في رأب الصدع بين المسلمين
بقلم: أحمد شوقي عفيفي
داعية إسلامي وكاتب بنغالي
لم تشهد
الأمة الإسلامية في تاريخها المعاصر زمنا تضافرت فيه عوامل الانقسام وتكاثرت دواعي
التمزق كما تشهده اليوم، إذ تتداخل الخلافات المذهبية والفكرية، وتحتدم الصراعات
السياسية، وتتعاظم الاستقطابات الإعلامية في ظل توظيف متزايد للدين في معارك
النفوذ والسلطة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب لم يعد الاختلاف تنوعا مشروعا في
الاجتهاد والرأي، بل انقلب في كثير من الأحيان إلى شقاق عميق يهدد وحدة المجتمعات
الإسلامية واستقرارها.
ومن هنا، تبرز أهمية الدور الذي ينهض به الاتحاد العالمي
لعلماء المسلمين في مساعيه الحثيثة لرأب هذا الصدع، وإعادة الاعتبار لمرجعية
العلماء بوصفهم عامل جمع ووحدة، لا أداة فرقة وانقسام.
أولا: الحاجة التاريخية إلى مرجعية علمية جامعة
عرفت
الأمة الإسلامية عبر تاريخها المديد تعددية مذهبية وفكرية واسعة، غير أنها ظلت في
الغالب محكومة بإطار علمي وأخلاقي راسخ، يضبط مساحات الخلاف ويحول دون انزلاقها
إلى صراعات مدمرة. إلا أن تراجع كثير من مؤسسات العلم التقليدية، وتآكل مكانة
العلماء المستقلين، وصعود الخطاب الشعبوي والمتطرف، أفضى إلى فراغ مرجعي خطير،
أسهم في تعميق الانقسامات وتشظي الوعي الديني.
وفي هذا
السياق، جاء تأسيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين استجابة لحاجة ملحة، ليكون
إطارا علميا جامعا، ومنصة مفتوحة تجمع علماء الأمة من مختلف الأقطار والمذاهب على
قاعدة الشراكة لا الإقصاء، والتكامل لا الهيمنة.
وقد انطلق الاتحاد منذ نشأته من
فكرة محورية مفادها أن وحدة الأمة لا تتحقق بتوحيد الآراء ولا بإلغاء التنوع،
وإنما بإدارة الاختلاف إدارة رشيدة، تستند إلى المقاصد العليا للشريعة، وتقدم
المشترك الإسلامي الواسع على الجزئيات الخلافية الضيقة.
ثانيا: منهجية الاتحاد في التعامل مع الخلاف
لم يتكئ
الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين في دعوته إلى الوحدة على خطاب عاطفي أو شعارات
آنية، بل استند إلى منهج علمي رصين ومتوازن، يقوم على إحياء جملة من العلوم
الأصيلة في التراث الإسلامي، وفي مقدمتها فقه المقاصد، وفقه الموازنات، وفقه
الأولويات.
وقد أتاحت هذه المنهجية للاتحاد أن يتعامل مع الخلافات بوصفها ثمرة
لاجتهادات بشرية قابلة للنقاش والمراجعة، لا ساحات صراع أو معارك إقصاء.
وإلى
جانب ذلك، حرص الاتحاد على ترسيخ التمييز المنهجي بين الثوابت والمتغيرات، وبين
القطعيات والظنيات، إدراكا منه لأهمية هذا الضبط العلمي في تهدئة التوتر بين
التيارات الإسلامية المختلفة، ومنع تضخيم الخلافات الفرعية، وصرفها عن أن تطغى على
القضايا المصيرية التي تمس حاضر الأمة ومستقبلها.
ثالثا: ترسيخ فقه الاختلاف ونبذ ثقافة الإقصاء
من أبرز
إسهامات الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين في مسار رأب الصدع، إصراره المتواصل على
ترسيخ فقه الاختلاف بوصفه ركيزة أصيلة من ركائز الوحدة، لا نقيضا لها.
فقد شدد
الاتحاد في مناسبات متعددة على أن الاختلاف سنة جارية في الأمة، وأن التعدد الفقهي
والفكري شكل عبر تاريخها الطويل مصدر ثراء وتجدد، لا مدعاة ضعف أو انقسام، متى
التزم بضوابط العلم وأدب الحوار وأخلاقيات الخلاف.
وفي
المقابل، اتخذ الاتحاد موقفا مبدئيا واضحا من ثقافة الإقصاء والتكفير والتبديع
السياسي، محذرا من مغبة تحويل الخلاف الاجتهادي إلى أداة للشيطنة والتخوين، لما
يترتب على ذلك من تمزيق للنسيج الاجتماعي، وإضعاف لمناعة الأمة الفكرية والأخلاقية
في مواجهة التحديات الخارجية.
رابعا: الخطاب الوسطي ومواجهة التطرف
لا
يستقيم الحديث عن رأب الصدع بين المسلمين من دون معالجة جادة لظاهرة الغلو
والتطرف، التي مثلت أحد أخطر العوامل المغذية للانقسام الداخلي وتمزيق الصف. وفي
هذا الإطار، تبنى الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين خطابا وسطيا متوازنا، يرفض
العنف والتشدد باسم الدين، كما يرفض في الوقت ذاته مسالك التفريط والتنازل عن
ثوابت الشريعة وأصولها.
ولم يظل
هذا الخطاب حبيس التنظير المجرد، بل تجسد عمليا في فتاوى جماعية، وبيانات علمية
رصينة، ومبادرات فكرية هادفة، سعت إلى تفكيك بنية خطاب التطرف، وكشف انحرافاته
المنهجية والفكرية، مع التأكيد على أن مواجهة الغلو لا تكون عبر الاستبداد أو
الإقصاء، وإنما بالعلم الرشيد، والحكمة المتزنة، والحوار المسؤول.
خامسا: توحيد الموقف من القضايا الكبرى للأمة
أسهم
الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين إسهاما ملموسا في تعزيز وحدة الصف الإسلامي، من
خلال سعيه المتواصل إلى توحيد الموقف الشرعي والأخلاقي إزاء القضايا الكبرى التي
تشكل وجدان الأمة ومشتركها الجامع، وفي مقدمتها قضية فلسطين، ومقاومة الاحتلال،
ونصرة المظلومين، ورفض الظلم والاستبداد أيا كان مصدره أو موقعه.
إن صدور
مواقف جماعية عن هيئة علمية جامعة لا يسهم فحسب في الحد من التشتت والبلبلة، بل
يمنح الجماهير المسلمة مرجعية موثوقة، تعيد توجيه الوعي والغضب الشعبيين نحو
مسارات رشيدة وبناءة، تحول دون انزلاقهما إلى صراعات داخلية مدمرة، وتؤكد أن
القضايا المصيرية للأمة أَولى بالاجتماع من الخلاف والفرقة.
سادسا: مواجهة تسييس الدين وحماية وحدة المجتمعات
يدرك
الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين إدراكا عميقا أن من أخطر أسباب الانقسام تسييس
الدين، وتحويل الفتوى من موقعها العلمي والأخلاقي إلى أداة في معارك الصراع
السياسي.
ومن هذا المنطلق، شدد الاتحاد على ضرورة صون استقلال العلماء، ورفض إخضاع
الخطاب الديني للإملاءات السلطوية أو الحسابات الحزبية، مؤكدا أن العالم الحق هو
من ينحاز للعدل والحق، لا للسلطة ولا للجماعة.
وإن كان
هذا الموقف المبدئي قد عرض الاتحاد لحملات تشويه وضغوط متواصلة، فإنه في جوهره
يعكس وعيا عميقا بطبيعة الصراع في عالمنا المعاصر، حيث توظف الفتوى أحيانا لتبرير
القمع، أو لإذكاء الفتن الطائفية، بما يهدد وحدة المجتمعات ويقوض أسس السلم
الأهلي.
سابعا: البعد العالمي والتقريب بين الشعوب المسلمة
بفضل
طبيعته العالمية، نجح الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين في أن يكون جسرا فاعلا
للتواصل بين علماء الأمة ومجتمعاتها على اختلاف أقطارهم وتباين بيئاتهم الثقافية
والجغرافية.
وقد أسهم هذا البعد العالمي في تبادل تجارب التعايش والحوار بين
البلدان الإسلامية، وتعزيز الإحساس بالانتماء إلى أمة واحدة، تتعدد لغاتها
وثقافاتها، لكنها تتوحد في قيمها الكبرى ومرجعيتها الحضارية.
كما وفر
الاتحاد منصة علمية مفتوحة للحوار بين العلماء من مختلف الخلفيات والمدارس، الأمر
الذي ساعد على تضييق مساحات التوجس، وتقليص الصور النمطية المتبادلة، وتفكيك كثير
من مظاهر سوء الفهم التي طالما غذت الخلاف بين التيارات الإسلامية المختلفة.
إن رأب
الصدع بين المسلمين ليس مهمة عابرة ولا رهنا ببيانات موسمية أو شعارات آنية، بل هو
مشروع حضاري طويل النفس، يتطلب علما راسخا، وحكمة متأنية، وشجاعة أخلاقية قادرة
على قول الحق في أزمنة الالتباس.
وفي هذا السياق، تظل تجربة الاتحاد العالمي
لعلماء المسلمين إحدى المحاولات الجادة لإعادة الاعتبار لدور العلماء بوصفهم صمام
أمان للوحدة، ومرشدين للأمة في لحظات الاضطراب والاختبار.
ورغم ما
يواجهه الاتحاد من تحديات وانتقادات، فإن الحاجة إلى مؤسسة علمية جامعة، تعمل على
جمع الكلمة، وتهذيب الخطاب الديني، وتوجيه الاختلاف نحو مسارات بناءة، تبقى حاجة
ملحة لا غنى عنها، ما دامت الأمة تبحث عن سبيل للخروج من أزماتها، واستعادة وحدتها
وقوتها الحضارية.
المراجع:
الموقع الرسمي للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
د. يوسف
القرضاوي، فقه الاختلاف في الإسلام.
د. يوسف
القرضاوي، في فقه الأولويات.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة
تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.