البحث

التفاصيل

الإسراء والمعراج رحلة الأمل

الرابط المختصر :

الإسراء والمعراج رحلة الأمل

وتسلم الإمامة العظمى والإمداد بالمعينات عليها

بقلم: د. توفيق علي مراد زبادي

عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

 


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،

فليست حادثةُ الإسراء والمعراج مجردَ معجزةٍ خارقةٍ للعادة، تُروى لإثبات القدرة الإلهية فحسب، بل هي محطةٌ مفصليةٌ في مسار الرسالة، وإعلانٌ ربانيٌّ عن انتقال النبي ﷺ إلى مقام الإمامة العظمى، وتسليمه قيادةَ مشروع الهداية الإلهية في الأرض. ففي هذه الرحلة العجيبة، اجتمع شرف المكان، وعظمة الزمان، وسموّ المقام؛ ليتهيأ الرسول ﷺ لحمل الأمانة الكبرى، وليتلقى من الله الإمدادَ والمعينات التي لا تقوم الإمامة إلا بها.

وتأتي رحلةُ الإسراء؛ لتكشف عن هذا البعد العميق؛ فتربط بين الحدث الكوني، والمنهج القرآني، ومقومات الاستخلاف، مؤكدةً أن الإمامة ليست ادعاءً ولا سلطانًا مجردًا، بل تكليفٌ ربانيٌّ، مؤسسٌ على الصلاة، ومشدودٌ بالقرآن، وممتدٌّ في الواقع لإقامة منهج الله في الأرض.أعلى النموذج

وقد بينت رحلةُ الإسراء وأوضحت الخصائص التي اختص بها الرسول الكريم والتي أهلته؛ ليكون الإمام الأعظم والرئيس المقدم، وبينت من خلال قصة الإسراء أنه تسلم وأمته الإمامة العظمى؛ لإقرار منهج الله في الأرض.

يا ليلةً فيها فضائلُ أينعت   

لنبينا ذي الُرتبــــــةِ العلياء

يا ليلةً صارت لأمةِ أحمــــــــدٍ  

عيداً تجدده يدُ العظماء

مقصد رحلة الإسراء والمعراج

إعلان تسلم الإمام الأعظم صلوات الله وسلامه عليه الإمامة العظمى، والإمداد بالمعينات عليها.

قال تعالى: )سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِير([الإسراء:1].

قوله تعالى: )إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى(: وهو بيت المقدس: معدن الأنبياء من لدن إبراهيم الخليل- عليه السلام-؛ ولهذا جُمِعُوا له هنالك كلهم؛ فأمهم في محلتهم، ودارهم؛ فدل على أنه هو الإمام الأعظم، والرئيس المقدم، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين([1]).

رحلة الإسراء والمعراج: رحلة الربط بين عقائد التوحيد الكبرى:

الرحلة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى رحلة مختارة من اللطيف الخبير، تربط بين عقائد التوحيد الكبرى من لدن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، إلى محمد خاتم النبيين  r وتربط بين الأماكن المقدسة لديانات التوحيد جميعا. وكأنما أريد بهذه الرحلة العجيبة إعلان وراثة الرسول الأخير لمقدسات الرسل قبله، واشتمال رسالته على هذه المقدسات، وارتباط رسالته بها جميعا([2]).

ومن بواعث الأمل: ذكر المسجد الأقصى مع أن المسجد الأقصى لم يكن مسجدًا اصطلاحًا، بل معبدًا، فإطلاق الله تعالى عليه مسجدًا فيه حافزُ للمسلمين؛ ليفتحوا هذا المسجد، وليستولوا على هذه البقعة المباركة، ويناضلوا عنها، ويحافظوا عليها، حتى لا يخرج من أيديهم.

إمداد الإمام الأعظم بالمعينات على القيام بمهمة الإمامة العظمى

جمع الله بين المُعِيَنين للقيام بمهمة الإمامة العظمى في قوله تعالى: {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ} [العنكبوت:45]

المعين الأول: الصلاة:

الحق تبارك وتعالى فرض الصلاة على المسلمين ليلة الإسراء والمعراج، التي يبث فيها العبدُ همومَه وأحزَانه؛ ليشرق في نفسه الأمل، ولم يشأ فرضها عن طريق الوحي كغيرها من الفرائض؛ وإنما استدعى نبيه الكريمr؛ ليبين للنَّاس أن الصلاةَ جليلةُ القدرِ، عظيمةُ المكانة، وأنها مادة أساسية في منهاج التربية على التفاؤل والأمل، فهي تَطَهُر، ونشاط، وصحة، وعلم، وأخلاق:

فرض الصلاة:

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «... فَأَوْحَى اللهُ إِلَيَّ مَا أَوْحَى، فَفَرَضَ عَلَيَّ خَمْسِينَ صَلَاةً فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَنَزَلْتُ إِلَى مُوسَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: مَا فَرَضَ رَبُّكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: خَمْسِينَ صَلَاةً، قَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا يُطِيقُونَ ذَلِكَ، فَإِنِّي قَدْ بَلَوْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَخَبَرْتُهُمْ "، قَالَ: " فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي، فَقُلْتُ: يَا رَبِّ، خَفِّفْ عَلَى أُمَّتِي، فَحَطَّ عَنِّي خَمْسًا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَقُلْتُ: حَطَّ عَنِّي خَمْسًا، قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لَا يُطِيقُونَ ذَلِكَ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ "، قَالَ: " فَلَمْ أَزَلْ أَرْجِعُ بَيْنَ رَبِّي تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَبَيْنَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ حَتَّى قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّهُنَّ خَمْسُ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، لِكُلِّ صَلَاةٍ عَشْرٌ، فَذَلِكَ خَمْسُونَ صَلَاةً، وَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْرًا، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ تُكْتَبْ شَيْئًا، فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ سَيِّئَةً وَاحِدَةً "، قَالَ: " فَنَزَلْتُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى مُوسَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ "، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " فَقُلْتُ: قَدْ رَجَعْتُ إِلَى رَبِّي حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ "([3]).

العلاقة بين إمامة الصلاة وإمامة الحياة:

الصلاة يقوم بها من إليه سياسة الأمة، وعقد الخلافة؛ كصلاة الجمع والأعياد: عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: مَرِضَ النَّبِيُّ r، فَاشْتَدَّ مَرَضُهُ، فَقَالَ: "مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ"، قَالَتْ عَائِشَةُ: إِنَّهُ رَجُلٌ رَقِيقٌ، إِذَا قَامَ مَقَامَكَ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، قَالَ: "مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ"، فَعَادَتْ، فَقَالَ: "مُرِي أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ، فَإِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ"، فَأَتَاهُ الرَّسُولُ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ r([4]).

قال ابن بطال - رحمه الله -:" ولما كان النبي r لا يستحق أن يتقدمه أحد في الصلاة، وجعل ما كان إليه منها بمحضر جميع الصحابة لأبى بكرt، كان جميع أمور الإسلام تبعًا للصلاة؛ ولهذا قدمه رسول الله r للصلاة، والصلاة لا يقوم بها إلا الدعاة، ومن إليه السياسة، وعقد الخلافة؛ كصلاة الجمع والأعياد التي لا يصلح القيام بها إلا لمن إليه القيام بأمر الأمة وسياسة الرعيّة، وصح أنه- t - أفضل الأُمة بعدهُ r؛ لقيام الحجة بأن أولى البرية بعقد الخلافة أفضلهم، وأقومهم بالحق وأعدلهم، وأوفرهم أمانة، وأحسنهم على محجة الحق استقامة، وكذلك كان الصديق، رضى الله عنه"([5]).

ويستفاد من الحديث أن الصلاةَ خيرُ معين على سياسة الأمة؛ لذا كان النبي r الإمام الأعظم إذا حَزَبَهُ أَمْرٌ صَلَّى، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ r إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ، صَلَّى"([6]).

وأيضا من مهام الإمامة العظمى إقامة الصلاة؛ فقد ورد في سورة الحج سورة تعظيم الله، وتعظيم شعائره مهمة الممكنين، قال تعالى: )الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُور([الحج:41].

قال الضحاك - رحمه الله -: هو شرط شرطه الله عز وجل على من آتاه الملك([7])، وبهذه الصفات فتح المسلمون الفتوحات، ودانت لهم الأمم طوعًا، وبتركها؛ سُلِبَ أكثرُ ملكهم.

ولعل لهذا السِر ؛ وردت الإشارة في سور ة الإسراء إلى الصلوات الخمس، وقيام الليل.

ففي الإشارة إلى الصلوات الخمس:

قال تعالى: )أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا( [الإسراء:78].

قال ابن عمر رضي الله عنهما - دلوك الشمس زوالها؛ فتكون الإشارة بدلوك الشمس إلى الظهر والعصر، وبغسق الليل إلى المغرب والعشاء، وقرآن الفجر إلى صلاة الصبح؛ وهذه إحدى الآيات التي جمعت الصلوات الخمس([8]).

وفي الإشارة إلى قيام الليل الذي هو عدة الأئمة المستخلفين:

قال تعالى: )وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا( [الإسراء:79]

فيه الأمر بالتهجد، وهو التنفل بعد نوم، وأنه واجب عليه r دون غيره أخرجه ابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس قال: يعني بالنافلة أنها خاصة للنبي r ، وكتب عليه([9]).

والخلاصة: أن قصة الإسراء:

1.      بينت تسلم النبي r للإمامة العظمى، وأمده الله سبحانه وأعانه عليها بالصلاة.

2.      أنها رحلة اليقين بالمشاهدة، قال تعالى: )لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى([النجم:18]، أي رأى من دلائل عظمة الله تعالى التي تزيد الرسول يقيناً وارتفاعًا؛ لأن من تربية الله لأنبيائه الوصول بهم إلى اليقين بالمشاهدة، كما قال إبراهيم: )بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي([البقرة:260].

المعين الثاني: القرآن الكريم:

هذه السورة ذَكَرَت القرآنَ في أحد عشر موضعاً؛ لترشدنا أن عباد الله الذين على أيديهم زوال إسرائيل ولابد أن يكونوا مستمسكين بالقرآن شريعة ومنهاجا.

قال تعالى: {إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} [الإسراء:9]

أي: أعدل وأعلى من العقائد والأعمال والأخلاق، فمن اهتدى بما يدعو إليه القرآن كان أكمل الناس وأقومهم وأهداهم في جميع أموره، {وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ} من الواجبات والسنن، {أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} أعده الله لهم في دار كرامته لا يعلم وصفه إلا هو.

وقال تعالى: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَـذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُواْ وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُورًا} [الإسراء:41].

يخبر تعالى أنه صرف لعباده في هذا القرآن أي: نوع الأحكام ووضحها وأكثر من الأدلة والبراهين على ما دعا إليه، ووعظ وذكر لأجل أن يتذكروا ما ينفعهم فيسلكوه وما يضرهم فيدعوه.

ولكن أبى أكثر الناس إلا نفورا عن آيات الله لبغضهم للحق ومحبتهم ما كانوا عليه من الباطل حتى تعصبوا لباطلهم ولم يعيروا آيات الله لهم سمعا ولا ألقوا لها بالا.

ومن أعظم ما صرف فيه الآيات والأدلة التوحيد الذي هو أصل الأصول، فأمر به ونهى عن ضده وأقام عليه من الحجج العقلية والنقلية شيئا كثيرا بحيث من أصغى إلى بعضها لا تدع في قلبه شكا ولا ريبا.

وقال تعالى: {وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا. وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْاْ عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا} [الإسراء:46]

يخبر تعالى عن عقوبته للمكذبين بالحق الذين ردوه وأعرضوا عنه أنه يحول بينهم وبين الإيمان فقال: {وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ} الذي فيه الوعظ والتذكير والهدى والإيمان والخير والعلم الكثير.

{جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا} يسترهم عن فهمه حقيقة وعن التحقق بحقائقه والانقياد إلى ما يدعو إليه من الخير.

{وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً} أي: أغطية وأغشية لا يفقهون معها القرآن، بل يسمعونه سماعا تقوم به عليهم الحجة، {وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا} أي: صمما عن سماعه، {وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآن} داعيا لتوحيده ناهيا عن الشرك به.

{وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا} من شدة بغضهم له ومحبتهم لما هم عليه من الباطل، كما قال تعالى: {وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ}

{نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ} أي: إنما منعناهم من الانتفاع عند سماع القرآن لأننا نعلم أن مقاصدهم سيئة يريدون أن يعثروا على أقل شيء ليقدحوا به، وليس استماعهم لأجل الاسترشاد وقبول الحق وإنما هم متعمدون على عدم اتباعه، ومن كان بهذه الحالة لم يفده الاستماع شيئا ولهذا قال: {إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى} أي: متناجين {إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ} في مناجاتهم: {إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلا رَجُلا مَسْحُورًا} فإذا كانت هذه مناجاتهم الظالمة فيما بينهم وقد بنوها على أنه مسحور فهم جازمون أنهم غير معتبرين لما قال، وأنه يهذي لا يدري ما يقول. قال تعالى: {انْظُرْ} متعجبا {كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثَالَ} التي هي أضل الأمثال وأبعدها عن الصواب {فَضَلُّوا} في ذلك أو فصارت سببا لضلالهم لأنهم بنوا عليها أمرهم والمبني على فاسد أفسد منه.

{فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا} أي: لا يهتدون أي اهتداء فنصيبهم الضلال المحض والظلم الصرف.

وقال تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا} [الإسراء:82].

فالقرآن مشتمل على الشفاء والرحمة، وليس ذلك لكل أحد، وإنما ذلك للمؤمنين به، المصدقين بآياته، العاملين به، وأما الظالمون بعدم التصديق به أو عدم العمل به، فلا تزيدهم آياته إلا خسارًا، إذ به تقوم عليهم الحجة، فالشفاء الذي تضمنه القرآن عام لشفاء القلوب، من الشبه، والجهالة، والآراء الفاسدة، والانحراف السيئ، والقصود السيئة.

فإنه مشتمل على العلم اليقيني، الذي تزول به كل شبهة وجهالة، والوعظ والتذكير، الذي يزول به كل شهوة تخالف أمر الله، ولشفاء الأبدان من آلامها وأسقامها.

وأما الرحمة، فإن ما فيه من الأسباب والوسائل التي يحث عليها، متى فعلها العبد فاز بالرحمة والسعادة الأبدية، والثواب العاجل والآجل.

وقال تعالى: {قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء:88].

وقال: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا} [الإسراء:89].

وقال تعالى: {وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا} [الإسراء:105]

وقال تعالى: {وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلا} [الإسراء:106]

{قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا} [الإسراء:107].

ومن الفأل الحسن في غزة العِزَة أن المجاهدين كونوا "كتيبة الحفاظ"، وهي تضم كوكبة من حفّاظ القرآن الكريم المتقنين، وهذا تطبيق عملي لفهمهم لما جاء في سورة الإسراء.

وهذه السورة دليل المجاهدين الذي يريدون بجهادهم وجه الله والدار الآخرة، وأن يحرَر اللهُ على أيديهم المسجد الأقصى... وإنه لقريب جد قريب.

إن قصة الإسراء والمعراج، كما عرضتها سورة الإسراء، ليست حدثًا يُحتفى به في الذاكرة، بل منهاجًا يُستعاد في الواقع. لقد أعلن الله فيها تسليمَ النبي ﷺ الإمامةَ العظمى، وأمدَّه بالمعينين الأعظمين: الصلاة التي تصل الأرض بالسماء، والقرآن الذي يهدي للتي هي أقوم.
وإذا كانت الإمامة يومئذٍ قد تسلمها الرسول ﷺ، فإن وراثتها اليوم لا تكون إلا بالسير على ذات الطريق: إقامة الصلاة بمعناها التعبدي والقيادي للحياة، والاعتصام بالقرآن شريعةً ومنهجًا، وصبرًا وجهادًا. ومن هنا نفهم أن طريق تحرير المقدسات، وعلى رأسها المسجد الأقصى، لا يُعبَّد إلا برجالٍ ربانيين، صُنعت قلوبهم في محراب الصلاة، وعقولهم في مدرسة القرآن.

وما نشهده اليوم من اصطفاف أهل القرآن في ميادين العزة، وبروز نماذج تحفظ كتاب الله وتحمله إلى ساحات الجهاد، ليس إلا بشارةً متجددة بأن وعد الله حق، وأن الإمامة ستعود إلى أهلها، وإنه لقريب… جد قريب.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.



([1]) تفسير القرآن العظيم، لابن كثير: 5/5.

([2]) في ظلال القرآن، سيد قطب: 4/2212.

([3])  صحيح مسلم: بَابُ الْإِسْرَاءِ بِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى السَّمَاوَاتِ، وَفَرْضِ الصَّلَوَاتِ برقم (162).

([4])  صحيح البخاري: بَابٌ: أَهْلُ العِلْمِ وَالفَضْلِ أَحَقُّ بِالإِمَامَةِ، (678). وأخرجه مسلم: كتاب الصلاة، باب: استخلاف الإمام إذا عرض له عذر، رقم 420

([5])  شرح صحيح البخاري، لابن بطال: 2/300.

([6])  سنن أبي داود: بَابُ وَقْتِ قِيَامِ النَّبِيِّ r مِنَ اللَّيْلِ، (1319)، قال الألباني: حسن.

([7])  الجامع لأحكام القرآن، القرطبي: 12/73.

([8])  الإكليل في استنباط التنزيل، للسيوطي: 168.

([9])  المرجع السابق: 168. 


: الأوسمة


المرفقات

التالي
ابن الجوزي عالم نفس: قراءة تحليلية في ملامح علم النفس في التراث الإسلامي
السابق
دور الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين في رأب الصدع بين المسلمين

مواضيع مرتبطة

البحث في الموقع

فروع الاتحاد


عرض الفروع