البحث

التفاصيل

بيان في سقوط الخبر "لا سلطان بلا برهان"

الرابط المختصر :

بيان في سقوط الخبر "لا سلطان بلا برهان"

كتبه: د. علاء الدين آل رشي

مدير المركز التعليمي لحقوق الإنسان – ألمانيا

 

تابعتُ الكلمة التي ألقاها فخامة الرئيس أحمد الشرع عند توقيع الاتفاقية الأخيرة، فبان فيها وعي الدولة في ساعة الامتحان، حين تُوزن القرارات بميزان الدم، وتُقدَّم حياة الناس على نشوة الغلبة، ويُعاد ترتيب المعنى السياسي على أساس العقل والرشد. خرجت كلمات الرئيس من صميم التجربة، وتكلّمت بلسان الحكمة، فرسمت طريق التهدئة بوصفها بوابة نجاة، وقرّرت أن الدم السوري أسمى منزلة من كل ربح عابر.

ومن المنبع ذاته صدر موقف الشيخ الأستاذ الدكتور علي محيي الدين القره داغي، الفقيه الرصين والعالم الجليل، موقفٌ تشكّل من فقه الميزان، واستوى على بصيرة العالم، وتحرك في أفق إنساني رحب، يجعل حقن الدم أصلًا، وحماية المجتمع مقصدًا، وصيانة وحدة البلاد ثمرةً لسياسة راشدة.

جاء موقف سماحة الشيخ منسجمًا مع روح الشريعة، متآلفًا مع نداء الحكمة، ومعبرًا عن علم يتقدّم حين تضطرب الأصوات، ويشتد الغبار.

وفي هذا المناخ المعقّد، حيث تتنازع العواطفُ الحساباتِ، وتضيق الرؤى تحت وطأة الاستقطاب، ظهر موقف الشيخ علي القره داغي جامعًا لا مفرّقًا، باعثًا على التهدئة لا على الاشتعال.

وبدل أن يُستقبل هذا الاتجاه الفقهي الرشيد بما يستحقه من قراءة متأنية، طالع الناس ما كتبه جمال سلطان عن استقالة الأستاذ الدكتور محمد غورمز، فبدا النص محمولًا على رواية مصنوعة، ومشحونًا بإيحاءات سياسية أُلصقت بواقعة إدارية.

أيُّ قلمٍ هذا الذي يربط الحدث بسياق مُفبرك، ويصوغ الافتراض في هيئة خبر، ويقدّم الظن في ثوب الحقيقة؟

وأيُّ أمانةٍ تلك التي تُدار بها الكلمة حين يغيب المستند، ويذوب التصريح، ويتوارى البرهان؟

ثم اتسعت دائرة العبث حين جرى إقحام اسم الشيخ علي القره داغي في زاوية اصطفاف سياسي، ورُسم في صورة مساندة لقسد، في تجاهل سافر لمواقفه المعلنة، وخطابه القائم على التهدئة، ودعوته الدائمة إلى وقف القتال، وحفظ وحدة سوريا، وصيانة المجتمع من الانهيار. أبهذا يُقرأ العلم؟ أبهذا تُفهم الكلمات؟ أم أن العقد السياسية والقومية، حين تستولي على العقل، تعيد تشكيل المعاني وفق أهوائها؟

الشيخ علي القره داغي معروف بتربيته، وعلمه، وتقواه، وبسيرته التي شهدت لها ساحات العالم. رجلٌ حمل قضايا الأمة على كتفيه، وجاب المنابر والمحافل مدافعًا عن فلسطين في أحلك لحظاتها، مخاطبًا الضمير الإنساني بلسان الحق خلال العامين الماضيين.

وقف مع كشمير، وناصر الروهينجا، وساند المظلوم حيثما كان، ووقف مع سوريا شعبًا وألمًا وقضية، جامعًا لا مفرّقًا، منفتحًا لا إقصائيًا، متجاوزًا حسابات تضيق بأفق الأمة. أيُّ عقلٍ يقبل اختزال هذه السيرة في خانة سياسية ضيقة؟ وأيُّ ميزانٍ يسمح بتلطيخ هذا التاريخ بسطر عابر؟

هذا العَالِم، بحجمه العلمي والأخلاقي، يسمو فوق الأحزاب، ويتجاوز الاستقطابات، ويضع الدين في مقام القيم الجامعة، ويرى القومية إطارًا ثقافيًا إنسانيًا، ويجعل العدل ميزان المواقف. دينه رسالة، وعلمه أمانة، ومسيرته شاهد حي على استقلال الكلمة ونزاهة الموقف.

وقد سعيتُ إلى تصويب هذا المسار، فاتصلتُ بجمال سلطان مرارًا طلبًا للتوضيح، وحرصًا على إنقاذ الحقيقة من التشويه. ثم وصلتني رسالة تشير إلى ظروف خاصة، وتدعوني إلى كتابة ما أراه مناسبًا. أرسلتُ رسالة واضحة، طالبتُ فيها بسحب ما نُشر، وتصويب الخبر، وتحمل مسؤولية الكلمة. فجاء الجواب حظرًا، حمل في طياته دلالة واحدة: الإصرار على الرواية، والاحتماء بضجيج التفاعل، والسعي إلى لملمة الإعجابات، ولو كان الثمن العبث بالوعي العام.

الحقيقة حين تُشوَّه تتحول إلى فتنة، والكلمة حين تُنزع منها الأمانة تصير أداة هدم. والهدي النبوي رسم الطريق بجلاء، فجعل الصدق سلّم البر، وربط الكذب بمسار الفجور، ووصل المصير الأخلاقي بمصير الكلمة.

وعليه، فإن ما كُتب في هذه القضية قام على الافتراء من أساسه، افتراء على الوقائع، وافتراء على عالمٍ جعل من علمه درعًا للأمة، ومن خلقه ميزانًا، ومن صوته جسرًا بين العقل والضمير، في زمن اشتد فيه الصخب، وخفّ فيه الوزن، وقلّ فيه من يحمل الكلمة على محملها الثقيل.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

* د. علاء الدين آل رشي. رئيس الرابطة العربية الكردية. مدير المركز التعليمي لحقوق الإنسان في ألمانيا.


: الأوسمة


المرفقات

التالي
الشيخ علي القره داغي «صوت الحق الثابت في مواجهة ضجيج الافتراء»
السابق
ابن الجوزي عالم نفس: قراءة تحليلية في ملامح علم النفس في التراث الإسلامي

مواضيع مرتبطة

البحث في الموقع

فروع الاتحاد


عرض الفروع