سورة الكهف في خريطة ميلاد الأمة
(الحلقة التاسعة)
بقلم: التهامي مجوري
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
* سورة الكهف في خريطة ميلاد الأمة ح 1
* سورة الكهف في خريطة ميلاد الأمة ح 2
* سورة الكهف في خريطة ميلاد الأمة ح 3
* سورة الكهف في خريطة ميلاد الأمة ح 4
* سورة الكهف في خريطة ميلاد الأمة ح 5
* سورة الكهف في خريطة ميلاد الأمة ح 6
* سورة الكهف في خريطة ميلاد الأمة ح 7
* سورة الكهف في خريطة ميلاد الأمة ح 8
إعجاز هذا الكتاب
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من نبي
من الأنبياء إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته
وحيا أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة".
فما من نبي إلا كانت له معجزة أظهرها الله على يديه
ليتحدى بها قومه؛ لأن المعجزة إنما كانت تصديقا للنبي ورسالته، ولذلك عرفها
العلماء بقولهم هي "كل أمر خارق للعادة يظهر على يد مدعي النبوة عند تحدي
المنكرين له، على وجه يبين صدق دعواه"، وقد أظهر الله الكثير من
الخوارق والمعجزات على أيد الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، مثل مُلْك
سليمان وعصا موسى وإبراء الأكمه والأبرص على يد عيسى عليه السلام وإنزال المائدة
وناقة صالح وميلاد عيسى من غير أب وعدم إحراق النار لإبراهيم... جميع هذه الخوارق
والمعجزات قد أظهرها الله بمناسبات مختلفة وكلها لها علاقة بالنبوة والرسالة في
مواجهة الأقوام الرافضين للأنبياء ومعارضيهم.
ولكن بعد هذه الخبرة الطويلة في مواجهة الأنبياء للأقوام
المنحرفين، قرر الله سبحانه تعطيل جميع الخوارق المادية التي كانت من قبل،
واستبدلها بمعجزة خالدة غير مادية وباقية إلى أن تقوم الساعة، معجزة باقية دائمة
صالحة لكل زمان ومكان (وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَن كَذَّبَ
بِهَا الْأَوَّلُونَ ۚ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا
ۚ وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا) [الإسراء 59].
وكان أول من تحداهم الله بهذه المعجزة الجديدة العرب
الأوائل، فدعاهم لأن يأتوا بمثله (قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا
بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ
لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) [الإسراء 48]، (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ
مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن
كُنتُمْ صَادِقِينَ) [هود 13]، (وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا
فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن
كُنتُمْ صَادِقِينَ) [البقرة 23]، وقد كان التحدي ظاهرا فيما بين العرب في
لغة الكتاب وأسلوبه وبلاغته، حيث أن العرب عرفت بقوة البيان والفصاحة، ومع ذلك لم
يستطع بلغاء العرب أن يستجيبوا لهذا التحدي؛ حتى أن بلغاءهم لم يخفوا إعجابهم به
"قال ابن إسحاق: وحدثني يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب القرظي، قال: حدثت أن عتبة
بن ربيعة، وكان سيدا، قال يوما وهو جالس في نادي قريش، ورسول الله صلى الله عليه
وسلم جالس في المسجد وحده: يا معشر قريش، ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه
أمورا لعله يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء، ويكف عنا؟ وذلك حين أسلم حمزة، ورأوا
أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيدون ويكثرون، فقالوا: بلى يا أبا الوليد،
قم إليه فكلمه، فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:
يا بن أخي، إنك منا حيث قد علمت من السطة في العشيرة، والمكان في النسب، وإنك قد
أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم وسفهت به أحلامهم وعبت به آلهتهم ودينهم
وكفرت به من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أمورا تنظر فيها لعلك تقبل منها
بعضها. قال: فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: قل يا أبا الوليد، أسمع، قال:
يا بن أخي، إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا
حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت تريد به شرفا سودناك علينا، حتى لا نقطع أمرا دونك،
وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه لا تستطيع
رده عن نفسك، طلبنا لك الطب، وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب
التابع على الرجل حتى يداوى منه أو كما قال له. حتى إذا فرغ عتبة، ورسول الله صلى
الله عليه وسلم يستمع منه، قال: أقد فرغت يا أبا الوليد؟ قال: نعم، قال: فاسمع
مني، قال: أفعل، فقال بسم الله الرحمن الرحيم. (حم. تنزيل من الرحمن الرحيم. كتاب
فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون. بشيرا ونذيرا، فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون.
وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه) ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها
يقرؤها عليه. فلما سمعها منه عتبة، أنصت لها، وألقى يديه خلف ظهره معتمدا عليهما
يسمع منه، ثم انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السجدة منها، فسجد ثم قال:
قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت، فأنت وذاك.
فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد
جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به. فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا
الوليد؟ قال: ورائي أني قد سمعت قولا والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر،
ولا بالسحر، ولا بالكهانة، يا معشر قريش، أطيعوني واجعلوها بي، وخلوا بين هذا
الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه، فو الله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم، فإن
تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم، وعزه عزكم، وكنتم
أسعد الناس به، قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه، قال: هذا رأيي فيه،
فاصنعوا ما بدا لكم".
لا شك أن الإعجاز من الناحية البلاغية، فهو حاصل بالفعل
وقد أعجز بلغاء العرب عبر العصور وأولهم وأبلغهم وأقدرهم بلغاء مكة، ولكن هذا
الكتاب لم يقف في إعجازه عند تحدي أهل مكة من الناحية البلاغية فحسب، وإنما استمر
في تحديه لجميع الشعوب والثقافات والحضارات، معجزة من الله باقية، متمددة في جميع
الخلق عبر طول الزمان وعرضه، وإذا كان الناس قد أدركوا الجانب المعجز من الناحية
البلاغية، فهم يكتشفون عبر الزمان الكثير من أوجه الإعجاز، ومن الإعجاز الذي لا
يفنى، لأن هذا الكتاب هو كلام الله، الموجه إلى البشرية كلها، وبلسان عربي، ولكن
مضامينه مراد إله ليس كمثله شيء!! وإذا كان هذا الإلهي ليس كمثله شيء فإن قوله
الذي تضمنه هذا الكتاب ليس كمثله قول ولا كتاب.
صحيح إنه بلسان عربي، يمكن فهمه من قبل العرب، ولكن
معانيه ومقاصده كنوز لا تنتهي، ممتدة في عمق الغيب، لا يحدها شيء من عوائد الناس،
فالآيات التي كان لنزولها سبب، تبدو أنها مرتبطة عضويا بذلك السبب، ولكن علماء
الأمة انتبهوا إلى تحرير نص الكتاب من سلطان السبب الذي كان مقدمة لنزوله، فوضعوا
القاعدة العلمية الرفيعة التي تعطي للنص إطلاقه اللائق به فقالوا "العبرة
بعموم اللفظ لا بخصوص السبب"؛ لأن السبب قد يكون مجرد مناسبة لنزول الآية
من الكتاب، أما مدلولها فخاضع للمراد الإلهي ومقاصده منه، وذلك يقتضي إطلاق المعنى
إلى أبعد حد ممكن.
ويذكر الناس الكثير من أوجه الإعجاز، فذكروا الإعجاز
العددي، وذكروا الإعجاز العلمي، وكل ذلك محتمل؛ لأن هذا الكتاب يحمل من الإطلاق ما
تحمله الذات الإلهية والصفات من سرمدية لا بداية لها ولا نهاية؛ لأنه كلام الله
وكلام الله له من الإطلاق ما ليس لكلام غيره سبحانه وتعالى.
عن "الحارث بن عبد الله الهمداني الأعور قال: مررت
في المسجد، فإذا الناس يخوضون في الأحاديث، فدخلت على علي فأخبرته، فقال: أوقد
فعلوها؟ قلت: نعم، قال: أما إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ألا إنها
ستكون فتنة، قلت: فما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: كتاب الله، فيه نبأ ما
قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه
الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم،
وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا
يشبع منه العلماء، ولا يخلق عن كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، هو الذي لم تنته الجن
إذ سمعته حتى قالوا: (إنا سمعنا قرآنا عجبا. يهدي إلى
الرشد فآمنا به) [الجن: 1 - 2] من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به
عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم"، ورغم أن هذا الحديث في
سنده مقال عند أهل الحديث، إلا أن جميع الصفات المذكورة فيه، مطابقة لطبيعة هذا
الكتاب وما يتميز به من كمال يليق بمصدريته لهداية البشر وبينة لهم كما وصفه الله
سبحانه (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى
لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ)
[البقرة 186]، أي "هدى لقلوب العباد ممن آمن به
وصدقه واتبعه (وبينات) أي : ودلائل وحجج بينة واضحة جلية لمن فهمها وتدبرها دالة
على صحة ما جاء به من الهدى المنافي للضلال، والرشد المخالف للغي، ومفرقا بين الحق
والباطل، والحلال، والحرام".
كما جاء في سورة الكهف أيضا التي نحاول فهم خريطتها في
التأسيس لميلاد الأمة قوله تعالى: (قُل
لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ
أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا) [الكهف 109]، مما يؤكد ذلك الإطلاق والإعجاز الذي لا
يعجز عن الرد البليغ عن التحديات التي عانت منها الأمة ولا تزال.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*
ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي
الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.