القره داغي في قلب العاصفة: بين الاتهام والاتزان.
(لماذا لم يفهموا خطاب القره داغي؟)
كتبه: محمد أحمد عوف
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
في لحظات الاستقطاب الكبرى تتشابك الأصوات وتتصارع الروايات،
ويغدو صوت العقل غريباً، وتتحول الحكمة إلى تهمة ويصبح الخطاب المتزن عملة نادرة.
هذا هو المشهد الذي تجلى مؤخراً في أعقاب تصريحات الدكتور علي
القره داغي بخصوص المعارك الدائرة في الشمال السوري.
فقد تعالت أصوات مدفوعة بتعصب أيديولوجي تارة وبضيق أفق سياسي
تارة وبجهل بالواقع والتاريخ تارة أخرى، تتهم الشيخ بالانحياز العرقي بحكم أصوله
الكردية، أو المساواة بين جيش الدولة السورية ومنظمات توصف بالإرهاب، متناسين أن
قراءة الواقع لا تستقيم بنظرة "الأبيض والأسود" في منطقة تغرق في رماد
الصراعات التاريخية.
تصريحات الدكتور علي القره داغي لم تكن مجرد كلمات عابرة، بل
شرارة أشعلت جدلاً واسعًا بين العرب والأكراد والأتراك، وفتحت الباب أمام أسئلة
قديمة عن الهوية والمظلومية والانتماء.
يقف الدكتور القره داغي في قلب عاصفة إعلامية تكشف هشاشة وعينا
الجمعي.
إن القضية ليست في التصريح ذاته، بل في ما كشفه من فجوة بين
الشعوب، ومن حاجة ملحة إلى خطاب حضاري يؤسس لجسور الثقة، بعيدًا عن لغة الاتهام
والتخوين.
ميزان الحكمة في زمن الاضطراب
إن المتأمل في خطاب الدكتور القره داغي يدرك أنه خطاب
"جسر" لا "جدار".
هو
خطاب يدرك التوازنات المعقدة بين المكونات الثلاثة الكبرى (العرب، الكرد، الأتراك).
الدكتور القره داغي ينطلق من وعي عميق بـ "العقل الجمعي
المأزوم" الذي يسيطر على المنطقة، ويحاول مراعاة مشاعر ملتهبة تراكمت عبر
عقود من التهميش.
القره داغي لا يتضامن مع الإرهاب، بل يحاول أن يستوعب الغضب
الشعبوي الكردي، ويوازن بين مشاعر العرب والأتراك والأكراد.
يدرك أن الزمن جزء من العلاج، وأن الأزمة الكردية لا يمكن أن
تنتهي بين يوم وليلة.
لا يمكن للدكتور القره داغي ـ وهو رمز كبير. أن يظهر بين قومه
كالمتخاذل الصامت، بل يلزمه إظهار التضامن مع مشاعر الجماهير الكردية الثائرة، دون
أن يعني ذلك دعمًا للانفصال أو الإرهاب.
خطابه يراعي مشاعر الأكراد والعرب الملتهبة، والعقل الجمعي
المأزوم للعرب والأكراد، وهو ما يفسر اتزانه في الطرح.
تفكيك "الوهم
الجماعي" حول الهوية الكردية
من أكبر الأخطاء التي يقع فيها العقل العربي المعاصر هي اختزال
"الأكراد" في كتلة صلبة واحدة، أيديولوجياً أو سياسياً.
الكرد عرق كبير، متشعب، ومعقد في تكوينه الثقافي ومتعدد
التيارات والانتماءات.
إن الحكم عليهم جملة واحدة هو "جهل مركب" بالواقع
الكردي؛ فبينهم المسلم المتدين، والعالم الفقيه، والقومي المعتدل، واليساري
المتطرف.
هذا الشعب الذي اشتهر عبر التاريخ بالبطولة، والجلد، والتمسك
بالعروة الوثقى، تعرض لمحن طاحنة على مدار مائة عام من التقسيم الجغرافي إلى
الاضطهاد السياسي، وصولاً إلى الازدراء العنصري داخل بلدانهم.
لقد عانى الأكراد من الاضطهاد والإهمال والفقر والعنصرية، هذا
التراكم رسّخ في وعيهم الجمعي شعورًا بالمظلومية، وأنتج ما يمكن تسميته بـ
"عقدة الاضطهاد"، وهي جرح غائر في الروح الكردية لا يمكن علاجه بالتجاهل
أو بالتخوين.
هذا الجرح التاريخي يفسر لماذا يتفاعل الأكراد بعاطفة ملتهبة مع
أي خطاب يتناول قضاياهم، ولماذا يحتاج الخطاب الإسلامي إلى مراعاة هذه الحساسية.
مأزق الانتماء وشرعية الغضب
ليس كل من ينادي بالحق الكردي أو الانفصال إرهابياً أو علمانياً
متطرفاً؛ بل إن الكثير منهم مسلمون غيورون، لكنهم يعيشون صراعاً مريراً بين هويتهم
الوطنية وبين "وجع المظلومية" وتحت ضغط عقدة الاضطهاد والتهميش.
لقد وصل التطرف بالبعض أن تعتبر الكردي المؤمن بالدولة القطرية
"خائناً"، وهو ما يعكس مأزقًا حضاريًا عميقًا، وهذا هو قمة المأزق الذي
يحاول عقلاء الكرد، ومنهم الدكتور القره داغي، معالجته بحكمة واحتواء.
لقد أدركت الدولة التركية الحديثة هذا التعقيد؛ فبعد سنوات من
هيمنة عقلية "حزب الشعب الجمهوري" والعسكر التي همشت الكرد وأهملتهم،
جاء التحول نحو التمكين، وفتح أبواب المناصب العليا، ونشر الخدمات التنموية في
المناطق الكردية وسعت إلى تطويرها بشكل ملحوظ، خاصة بعد أحداث 2016.
هذا الإدراك لم يكن تنازلاً، بل كان "حكمة دولة" تفهم
أن الزمن جزء من العلاج، وأن الاحتواء الثقافي والخدمي هو الرصاصة الأقوى ضد
الإرهاب.
(وحفظ الله الرئيس أردوغان وجعل ذلك في ميزان حسناته)
التجربة التركية تكشف عن محاولة لاحتواء الأزمة عبر الدمج
السياسي والاجتماعي، مع مواجهة التحديات الأمنية.
القره داغي: الداعية في حقل
الألغام
لا يمكن للدكتور علي القره داغي، بصفته رمزاً علمياً وفكرياً،
أن يظهر بين قومه بمظهر المتخلي عن آلامهم.
إن تضامنه مع "مشاعر الجماهير الكردية" في تركيا
والعراق وسوريا وإيران ليس تضامناً مع "الإرهاب" أو "النزعات
الانفصالية"، بل هو محاولة لاستيعاب غضب جماهيري عارم.
بينما يرى البعض في المعارك الدائرة مجرد صراع عسكري لتوحيد
الدولة السورية، يراها الوعي الكردي ضغطاً على جرح قديم لم يندمل بعد.
ومن هنا، يبرز دور القره داغي كـ "ممتص للصدمات"،
يحاول الحفاظ على الروح الكردية ضمن السياق الإسلامي والوحدوي، بدلاً من تركها
لقمة سائغة لخطاب الكراهية والانفصال.
نحو وعي يتجاوز الضجيج الرقمي
إننا نؤمن بأن الخطاب العاطفي الذي يتصدر "الشارع
الرقمي" اليوم هو العدو الأول للحقيقة.
إن اتهام الرموز الوطنية والدينية بالتخوين لمجرد أن خطابهم لا
يوافق "هوى اللحظة" هو تدمير للجسور التي نحتاجها للعبور نحو المستقبل.
علاج أزمة المنطقة لا يكون بالرصاص وحده، بل بإدراك
"الخلفيات التاريخية" وفهم "سيكولوجية الشعوب".
إن الأكراد كانوا وسيبقون جزءاً أصيلاً من نسيج هذه الأمة،
واحترام خصوصيتهم وتفهم أوجاعهم هو الطريق الوحيد لقطع الطريق على كل متربص
باستقرار بلادنا.
القضية الكردية تكشف عن حاجة الخطاب الإسلامي المعاصر إلى وعي
بالواقع الكردي، كما هو بحاجة إلى وعي بالواقع العربي والتركي.
الاعتراف بالمظلومية الكردية شرط أساسي لبناء خطاب جامع يخفف
الاحتقان ويؤسس للتعايش.
الإعلام العربي كثيرًا ما يتناول القضية الكردية بسطحية، في حين
أن خطاب القره داغي يقدم نموذجًا حضاريًا يحاول أن يوازن بين المكونات المختلفة.
الجدل الإعلامي حول تصريحاته يعكس أزمة أعمق.. غياب الفهم
التاريخي والوعي بالذاكرة الجمعية الكردية.
إن القضية الكردية ليست مجرد صراع سياسي، بل هي أزمة هوية ممتدة
عبر قرن من الزمن.
خطاب الدكتور علي القره داغي يعكس محاولة واعية لاحتواء هذه
الأزمة، عبر الجمع بين الإقرار بالوحدة ومواجهة الانفصال ومراعاة مشاعر الروح
الكردية والمظلومية في العقل الجمعي الكردي.
ومن هنا، فإن أي معالجة مستقبلية يجب أن تنطلق من بناء جسور
الثقة، وتطوير خطاب حضاري جامع، يربط بين الدين والهوية والعدالة الاجتماعية، بما
يحقق الاستقرار والنهضة في المنطقة.
والله أعلم..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها، ولا
تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.