أهمية الاتحاد العالمي
لعلماء المسلمين في بناء وحدة العلماء في بنغلاديش
بقلم: أحمد شوقي عفيفي
داعية إسلامي وكاتب
بنغالي
تعد وحدة العلماء من أعظم ركائز
الاستقرار الديني والفكري في المجتمعات الإسلامية، إذ يتبوأ العلماء بما يحملونه
من علم راسخ وبصيرة نافذة مكانة المرجعية الأخلاقية والعلمية التي تهتدي بها الأمة
في شؤون دينها ودنياها، وتستنير بتوجيهاتهم في أزمنة السعة والابتلاء على السواء.
وفي بنغلاديش، حيث يشكل المسلمون
الأغلبية الساحقة، وحيث تتجاور المدارس الفقهية، وتتعدد الاتجاهات الدعوية، وتتنوع
المشارب والخلفيات العلمية، تبرز الحاجة الملحة إلى إطار جامع يحتضن هذا التنوع،
ويضبط مساراته، وينقله من فضاء التنازع المرهق إلى رحاب الإثراء والتكامل البناء.
وفي هذا السياق، تتجلى أهمية الاتحاد
العالمي لعلماء المسلمين بوصفه مؤسسة علمية عالمية ذات رسالة وحدوية ومنهج وسطي،
مؤهلة للإسهام بفاعلية في بناء وحدة العلماء في بنغلاديش، على أسس من الحكمة
والاعتدال والمقاصد الشرعية.
أولا: واقع الاختلاف
العلمي في بنغلاديش والحاجة إلى مرجعية جامعة
عرفت بنغلاديش، عبر تاريخها الحديث،
حراكا علميا ودعويا ملحوظا، شاركت في صياغته مدارس فقهية متعددة، وجماعات دعوية
متنوعة، ومؤسسات تعليمية دينية اختلفت مناهجها وتباينت أساليبها.
وهذا التعدد، في جوهره، ليس موضع إشكال
ولا باعث قلق، بل هو امتداد طبيعي لمسيرة الفكر الإسلامي الذي عرف الاجتهاد،
وتعايش الآراء، وتنوع المدارك عبر العصور .. غير أن مكمن الإشكال يبرز حين يغيب
أدب الخلاف، وتفقد قواعده العلمية والأخلاقية حضورها، فيتحول التنوع العلمي من
نعمة مثمرة إلى حالة من الاستقطاب الحاد، أو التنافس غير المنضبط، أو التراشق
الخطابي الذي يضعف هيبة العلم، ويشوش وعي العامة، ويزرع في النفوس بذور الشقاق.
ومن هنا تتأكد الحاجة إلى مرجعية علمية
جامعة، لا تسعى إلى إلغاء التعدد ولا إلى صهر الخصوصيات، وإنما تعمل على ضبط
مسارات الاختلاف بقواعد الشرع، وتعيد توجيهها نحو المقاصد الكبرى للدين، وفي
مقدمتها حفظ وحدة الأمة، وصيانة السلم المجتمعي، وتعزيز روح التعاون والتكامل.
ويأتي الاتحاد العالمي لعلماء
المسلمين ليؤدي هذا الدور من موقعه العالمي المستقل، مستندا إلى شرعية علمية
واسعة، ورؤية وسطية متوازنة، بعيدة عن الحسابات المحلية الضيقة والانتماءات
الفئوية المحدودة، وقادرة على أن تكون جسرا جامعا يلتقي عنده علماء بنغلاديش على
القواسم المشتركة، ويتحاورون في دائرة الاختلاف المشروع بروح من المسؤولية
والإنصاف.
ثانيا: الاتحاد العالمي
لعلماء المسلمين ومنهج ترشيد الخلاف
يقوم الاتحاد العالمي لعلماء
المسلمين على رؤية راسخة تؤكد أن الاختلاف سنة كونية وشرعية جرت بها سنن الحياة،
وأن الخلل لا يكمن في وجوده في حد ذاته، وإنما في طريقة إدارته وضبط مساراته.
وانطلاقا من هذا الفهم المتوازن، يسعى الاتحاد إلى ترسيخ مفهوم ترشيد الخلاف، عبر
التأكيد على أن المسائل الاجتهادية لا ينبغي أن تتحول إلى ذرائع للتبديع أو
التفسيق أو التفريق بين المسلمين، بل يجب أن تبقى في إطارها العلمي المشروع الذي
يسع التعدد ويحتمل التنوع.
وفي السياق البنغلاديشي، يمكن لهذا
المنهج الرشيد أن يسهم إسهاما بالغ الأثر في إعادة بناء الثقة بين العلماء
المنتمين إلى مدارس فقهية واتجاهات دعوية مختلفة، وذلك من خلال إشاعة ثقافة الحوار
العلمي الهادئ، والاحتكام إلى القواعد الأصولية المتفق عليها، والنظر إلى الخلاف
باعتباره مجالا للتكامل وتبادل الخبرات، لا ساحة للتناحر والتجاذب.
كما أن تبني هذا المنهج كفيل بالحد من
توظيف الخلافات الدينية في الصراعات الاجتماعية أو السياسية، وهو خطر طالما ألقى
بظلاله السلبية على وحدة الصف الإسلامي وأضعف حضوره في الواقع العام.
ثالثا: تعزيز أدب الخلاف
وترسيخ الأخلاق العلمية
ومن أبرز ما يميز الاتحاد العالمي
لعلماء المسلمين عنايته العميقة بإحياء الأخلاق العلمية التي حكمت علاقة العلماء
بعضهم ببعض عبر العصور، من تواضع، واحترام متبادل، وحسن ظن، وإنصاف للمخالف،
والتزام بآداب الحوار والاختلاف.
فالعلم في الرؤية الإسلامية ليس مجرد
معارف تحفظ أو نصوص تردد، بل هو قبل ذلك سلوك قويم وأخلاق راسخة، تتجلى في طريقة
النقاش، وأسلوب النقد، وحدود الاختلاف.
إن إشاعة هذه القيم بين علماء بنغلاديش
من شأنها أن تنعكس إيجابا على الخطاب الديني العام، وعلى علاقة العلماء بالجمهور،
وعلى صورة الدين في المجتمع.
فحين يرى الناس علماءهم مختلفين باحترام، متحاورين
بأدب، متفقين على الأصول، ومتسامحين في الفروع، تترسخ الثقة بالدين في النفوس،
ويتحصن المجتمع من مظاهر الغلو والتطرف وسوء الفهم، لتظل رسالة الإسلام رسالة وحدة
ورحمة، لا سبيلا إلى الفرقة والاضطراب.
رابعا: تهذيب الخطاب
الدعوي وبناء خطاب جامع
لا تقتصر أهمية الاتحاد العالمي لعلماء
المسلمين على الجوانب النظرية أو الأكاديمية فحسب، بل تمتد لتشمل تهذيب الخطاب
الدعوي وتقويم مساراته، وتوجيهه نحو ما يخدم وحدة المجتمع واستقراره.
فالخطاب
الديني في بنغلاديش، شأنه شأن غيره في المجتمعات الإسلامية، يواجه تحديات معقدة
ومتشابكة، تتصل بقضايا الهوية، ومتطلبات التنمية، ومطالب العدالة الاجتماعية،
وطبيعة العلاقة مع الآخر، فضلا عن التأثير المتزايد للإعلام الحديث ووسائل التواصل
الاجتماعي، التي كثيرا ما تسهم في تضخيم الخلافات الجزئية وإخراجها عن سياقها
العلمي الرشيد.
ومن هذا المنطلق، يدعو الاتحاد إلى
خطاب دعوي رشيد ومتوازن، يراعي الجمع بين الثوابت والمتغيرات، ويقدم المقاصد
الكلية على الجزئيات الفرعية، ويحتكم إلى فقه الأولويات والمآلات في معالجة
القضايا والنوازل.
وإن تبني هذا الخطاب من قبل العلماء
البنغلاديشيين من شأنه أن يسهم في توحيد الرؤية الدعوية، وتقليص مساحات التنازع
والاحتقان، وتوجيه الطاقات العلمية والدعوية نحو ما يخدم مصلحة المجتمع والدين
معا، في إطار من الحكمة والمسؤولية والاتزان.
خامسا: الاتحاد كجسر بين
المحلي والعالمي
يمتاز الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
بكونه منصة علمية عالمية جامعة، تلتقي تحت مظلتها نخبة من العلماء من مختلف
الأقطار والثقافات، الأمر
الذي أكسبه خبرة تراكمية واسعة في إدارة التنوع والاختلاف، والتعامل مع السياقات
المتباينة والتحديات المتشابهة.
وتمثل هذه الخبرة رصيدا مهما وقيمة مضافة لعلماء
بنغلاديش، إذ تتيح لهم الاطلاع على تجارب أمم وشعوب أخرى واجهت تحديات مماثلة،
ونجحت، بدرجات متفاوتة، في تجاوز الانقسامات وبناء صيغ من التعاون العلمي والدعوي
المثمر.
كما أن ارتباط علماء بنغلاديش بإطار
علمي عالمي يعزز حضورهم في الساحة الإسلامية الدولية، ويعمق شعورهم بالانتماء إلى
هموم الأمة الكبرى وقضاياها المصيرية، ويمنحهم إحساسا أوسع بالمسؤولية المشتركة،
الأمر الذي يسهم في تجاوز الانشغال بالخلافات المحلية الضيقة، والانفتاح على آفاق
أرحب من العمل المشترك والتكامل العلمي والدعوي، خدمة للدين والأمة والإنسان.
سادسا: وحدة العلماء
مدخل لوحدة المجتمع
إن وحدة العلماء ليست غاية قائمة
بذاتها، ولا هدفا معزولا عن واقع الناس وحاجاتهم، بل هي وسيلة كبرى لتحقيق، وحدة
المجتمع، واستقراره وتماسكه.
فحين يلتقي العلماء على القواسم
المشتركة، ويتفقون على الأصول الجامعة، ويختلفون في المسائل الاجتهادية بروح من
الاحترام والإنصاف، فإنهم يقدمون للأمة نموذجا عمليا راقيا في كيفية إدارة
الاختلاف دون أن يتحول إلى صراع أو خصومة.
وهذا النموذج تشتد الحاجة إليه في
مجتمع متنوع كالمجتمع البنغلاديشي، حيث قد تتحول الخلافات الدينية، إذا أسيء
التعامل معها أو خرجت عن إطارها العلمي، إلى بؤر توتر اجتماعي تهدد السلم الأهلي
وتضعف النسيج المجتمعي.
ومن هذا المنطلق، يتجاوز الدور الذي
يمكن أن يضطلع به الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين في بناء وحدة العلماء في
بنغلاديش الإطار الديني الضيق، ليتحول إلى إسهام مباشر في ترسيخ السلم المجتمعي،
وصيانة التماسك الاجتماعي، وبناء ثقافة عامة تقوم على التعايش والتعاون واحترام
التنوع.
فحين يتوحد صوت العلماء في القضايا
الكبرى، ويقدمون خطابا متزنا يجمع ولا يفرق، ويهدي ولا يستفز، فإن أثر ذلك ينعكس
على المجتمع بأسره، استقرارا وطمأنينة وثقة بالمستقبل.
في ضوء ما تقدم، يتبين أن الاتحاد
العالمي لعلماء المسلمين يمثل ركيزة أساسية في مشروع بناء وحدة العلماء في
بنغلاديش، من خلال منهجه الوسطي، ورؤيته الوحدوية، وحرصه على ترشيد الخلاف وتهذيب
الخطاب الديني .. فهو لا يدعو إلى إلغاء الاختلاف المشروع، ولا يسعى إلى فرض
رأي واحد أو مدرسة واحدة، بل يعمل على جمع العلماء على أصول الدين ومقاصده الكبرى،
مع فتح آفاق رحبة للاجتهاد المسؤول والتنوع المنضبط.
وإذا أحسن العلماء في بنغلاديش الإفادة
من تجربة الاتحاد ورؤيته الجامعة، فإن ذلك كفيل بأن يفتح أمامهم آفاقا جديدة
للتعاون العلمي والدعوي، ويعيد للعلماء دورهم الريادي في قيادة المجتمع نحو الوحدة
والاستقرار، ليظلوا كما أراد لهم الإسلام، صناع وعي، وبناة وحدة، وحراس قيم الرحمة
والعدل والاعتدال، وشهودا على الناس بالحق والحكمة.
_______
* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر
عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
المراجع:
الموقع الرسمي للاتحاد العالمي لعلماء
المسلمين.
د. يوسف القرضاوي: فقه الاختلاف في
الإسلام.
د. علي محيي الدين القره داغي: فقه
الوحدة والتقريب بين المسلمين.