السّرير الخشبي
وسؤال الوفاء | قراءة فلسفية في وعي مالك بن نبي
بقلم: رانية نصر
عضو الاتحاد
العالمي لعلماء المسلمين
باعت أمّهُ سريرَها الخشبيّ
الوحيد ليتعلّم هو،
فيقول: "عشت عمري كلّه أحمل عُقدة الدَّيْن تجاه ذلك السرير… أيقنت أنّ ثمن
معرفتي كان راحة أمي".
لم يكن السريرُ قطعةَ أثاث، بل
شاهدًا صامتًا على صفقة أخلاقية قاسية: راحةٌ تُدفع ليُبنى إنسانٌ، وليُولد وعيٌ،
ولتُحمل أمانة ولتُؤدّى رسالةٌ. ومنذ ذلك اليوم، صار الوقت عنده مقدّسًا؛ مصدرَ خوفٍ
وقلق لا موطن راحةٍ وركون؛ فكلُّ لحظةٍ تضيع، وكُلُّ دقيقةٍ تُهدر؛ خيانة، لا
للمعرفة فحسب، بل لتضحيةٍ لم يكن يملك حق تبديدها.
لعل تجربة مالك بن نبي ذلك المفكر
الجزائري العظيم الذي لم يُقدَّر فكرُه في زمانه؛ لم تكن حالة فردية ووحيدة بقدر
ما كانت مرآةً لما نحمله جميعًا من ديون خفيّة، ديون لا تُقاس بالمال، بل بالأعمار
وبالمعنى وبالاستحقاقات.
ولعلّ أخطر ما في هذه الدُّيون
الخفيّة أنها لا تُطالبُنا بالسّداد العاجل، ولا يستتبعنا ثِقلُ ظلّها في الطُرقات
نهاراً، وفي عتمات الليل حين نُلقي برؤوسنا على الوسائد. تلك الديون لا تُسجّل في
دفاتر الحساب عند الدّيانة، بل تراقبنا في الخفاء، وتُحصي أقوالنا وأعمالنا في
صحائف لا يغفل كُتّابها، ولا يَبلى سجلّها، ولا تُمحى خطوطها وآثارها بمرور الزمن.
لم يكن مالك بن نبي مديوناً لسرير
أمّه الخشبيّ فقط، ولا لأوجاع ظهرها وتكسّر عظامها، بل كان مديوناً للمعنى، معنى
أن تُضحّي أمٌّ بحدّها الأدنى من الرّاحة والدّعة، والكرامة الجسدية ليصعد ابنها
درجةً في سلم العلم والوعي والمعرفة. وهنا تتحول الرّاحة من مقصد مشروع وغاية تُبتغى،
إلى شبهة أخلاقية إن لم تستوفَ استحقاقاتُ التضحية ولحظات الحرمان وليالي الألم
الطويلة.
منذ تلك اللحظة، لم يعدُّ الوقت
عنده مجالاً للاختيار ولا حيّزاً للتّرف، بل تحوّل إلى ميدان محاسبة يقضُّ مضجع
الضمير، ويهزّ رضا النّفس على ذاتها، لم يكن يخاف التّعب، بل كان يخشى الفراغ، لم
يكن يقلقه الجهد، بل كانت تُرعبه الساعات التي تمرّ دون إنتاج للأفكار والمعاني،
ومن هنا نفهم سرّ قسوته على نفسه، وسرّ غربته في زمنه، وسرّ شعوره الدائم بأنه
متأخرٌ عن واجبه، لا مُتقدّم على عصره كما عُرِفَ عنه.
فمالك بن نبي وغيره من أصحاب
المشاريع الكُبرى؛ كانوا يعيشون تحت وطأة سؤال واحد مُلحٍّ: "هل وفّيتُ
الدَّين؟ ليس دين الأم وحدها، بل دَين الفكرة، ودَين الدِّين، ودين الأمة، ودين
اللحظة التاريخية التي لم تكن تسمح بالتأجيل والمماطلة.
إن أعظم ما نفتقده اليوم، نحن
أجيال هذا العصر، هو فقدان الشّعور الأخلاقي بالزّمن، نملك "أسِرّة"،
ونملك أدوات ووسائل وإمكانات، ونملك فرصاً لم يحلم بها جيل الصحابة، والخلفاء
والتّابعين، ولا حتى جيل مالك بن نبي وأقرانه، لكننا نعيش كأن أحداً لم يدفع ثمناً
لكي نكون هنا.
نحن اليوم مثقلون بثلاثة ديون
كبرى، تستوجب وعياً مختلفًا بالزمن، ووفاءً لا يقبل التمطيط،
أولها: دَين العهد
الأول؛ حين أخذ
الله من بني آدم ميثاق الشهادة في عالم الذّر، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن
ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ
بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ شَهِدْنَا﴾، الأعراف: 172، وألست بربكم ليست آية تُتلى
فقط، بل سؤال يتردّد في كل حين، لمن أعيش، وبماذا أُوَفّي، وهل ما أقوم به الآن
يوفّي جوابي الأول، واستحقاقات هذه الشهادة؟!! هذا العهد لا يُوفّى بالقول، بل
بتحمّل أمانة الاستخلاف، بإعمار الأرض، وبناء الإنسان، وصيانة المعنى في عالم
يتآكله العبث.
أما ثانيها: فهو
دَين البيعة؛ بيعةٌ لم
تُؤخذ لزمن مضى وحسب، ولا لمكانٍ انقضى وفقط، ولا لرجالٍ غابوا ورحلوا عنّا، بل
أُلقيت في عُنق الأمة كلّها: أن تسير على هَديّ النبوة: طاعة في المعروف، ونصرةً للحق،
ومواجهةً للظلم، ورفضاً للاستبداد، مهما غلا الثمن وارتفعت الفاتورة. قال تعالى:
﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ
الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ
وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ الفتح:18. فعقد البيعة هذا
استوجب رضى رب العزّة عنهم، وبمفهوم المخالفة فإن ترك البيعة بمعنى ترك أمانة الدِّين
وعدم القيام بمقتضياته وتكاليفه يستوجب الغضب والسخط. وهذه المعاني لا تنحصر في
زمن الصحابة، بل تمتد في عنق الأمة ما دام الحق قائماً والباطل يُواجَه.
وثالثها: دَين
العلم؛ وهو
أثقلها. دَين أولئك الذين بذلوا أعمارهم ليضيئوا الطريق: أنبياء، وعلماء، ودعاة، ومفكرون،
ومصلحون، ومجاهدون، والوفاء للطريق الذي سلكوه بدمائهم لا يكون بالتقديس، بل بعدم
إهدار ما اقتحموه من أبواب، وشقّوه من دروب، وحفروه في الصخور، وراكموه من إنجازات
وانتصارات. وحين نتحدث عن الدَّيْن الأول، فإننا لا نتحدّث عن عقدٍ بشري اجتماعي
طارئ، بل عن أمانةٍ إلهيةٍ كبرى حملها الإنسان طوعاً، يوم عُرضت على السموات
والأرض والجبال فأبين حملها، وحملها الإنسان، ثم نسي ثقلها واستخفّ بوزنها. قال
تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ
وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا
الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ الأحزاب: 72.
فالأمانة
مسؤولية الاستخلاف والاختيار الحر، وإباء السموات والأرض والجبال؛ إدراك لعِظم
الحمل وخطورته، وحمل الإنسان لها، قبولٌ واعٍ بالمخاطرة وتحمل التبعات والكُلفة
كاملة.
ولهذا
فكل تضييع للوقت وكل تسويف عن الحق، وكل استسهال للتكليف، هو تفريط في أمانة
قَبِلنا حملها قبل أن نُولد.
ولنعلم
أن هذا الطريق ليس مفروشًا بالزهور، ولا معبّدًا بالراحة، بل محروس
بالصبر، ومُطالَب بالثبات، وممهورٌ بالتضحيات.
فلسفة الطريق بسيطة في معناها،
عسيرة في حملها: أن تمضي إلى الله… بقلبٍ جسور، ووعيٍ لا يبدّد الزمن، ووفاءٍ لا
ينسى "الأسرّة الخشبيّة" التي بِيعت لأجلنا.
إن أخطر أشكال الخيانة ليست خيانة
الوطن ولا الفكرة المُعلنة فحسب، بل خيانة التضحية الصامتة التي مهّدت لنا الطريق،
ثم وقفت جانباً تنتظر أن نكون على قدرها، وما لم نستعِد هذا الوعي الرسالي
والحضاري في فكر مالك بن نبي، سيبقى كثير من الأسرّة قائمة لكن الرسالية مهدورة،
وأمانة الدِّين متروكة لتتجمد في أوصال زمنٍ خُنّاه نحن قبل أن نجرؤ على اتّهامه
بالخيانة.
_______
* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة
تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.