دليل العناية والترابط الكوني في إثبات وجود الله
بقلم: د. علي محمد الصلابي
الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
إن الله سبحانه معنيٌّ بالعالم، وعنايته
بالكون سارية في جميع أجزائه، وإذا كانت كلمة "العناية" لا تخرج بنا عن
جو الترابط الهادف والإمساك والتدبير فإنها تلوّن الحديث عن دليل الترابط على وجود
الله بلون آخر، وإذا تلوّن هذا الدليل باللون الرحيم الرقيق سمِّي "دليل
العناية".
والقرآن
الكريم غاصٌّ بتوجيه الأنظار إلى عناية الله بالكون، وعلى الخصوص بالإنسان في رحاب
الكون، فمن أجل الإنسان كانت رحمة الله فيَّاضة بالنعم على الإنسان في نفسه، يقول
سبحانه: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ
لَهُ عَيْنَيْنِ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [سورة البلد:
8-10]،
ويقول
سبحانه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ
أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ
بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ
يَتَفَكَّرُونَ﴾ [سورة الروم: 21]،
ويقول
تعالى: ﴿وَلَقَدْ
كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ
مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [سورة
الإسراء: 70].
ويتحدث
الله سبحانه وتعالى عن نعمه العديدة التي أسداها إلى الإنسان، فنعمة الليل والنهار
بيّنها الله سبحانه بقوله: ﴿قُلْ
أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ
الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا
تَسْمَعُونَ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ
سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ
بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ
لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ
وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [سورة القصص: 71-73]. (لا إله إلا الله، د. علي الصلابي، ص43)
إن دليل العناية من أجمل الأدلة
على وجود الله الذي يقول:
-
﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ
سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ
نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ
بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [سورة لقمان:
20].
وإن
الاستدلال على وجود الله سبحانه بدليل العناية قديم قدم الإنسانية نفسها، فكل
إنسان يشعر بأنه مغمور بنعم الله سبحانه في داخل نفسه وفي خارجها، ويقول الله
تعالى معبّراً عن حقيقة يلاحظها كل إنسان بتدبير يسير: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا
تُحْصُوهَا﴾ [سورة إبراهيم: 34]،
ويقول أيضاً: ﴿وَأَسْبَغَ
عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [سورة لقمان: 20].
إن
دليل القصد أو دليل العناية، أو دليل الترابط -أو غيرها-الذي سبق أن تحدثنا عنه
بألوانه المتعددة، لا يعدو أن يكون دليلاً واحداً يسمَّى باسم اللون الغالب الذي
يظهر فيه، وهو لا يعدو أيضاً أن يكون دليل الأثر على المؤثِّر، ودلالة الأثر على
المؤثر دلالة سهلة واضحة. وإذا كان أثر القدم يدل على المسير -كما قال الأعرابي
قديماً-فإن سماء ذات أبراج وأرضاً ذات فجاج يدلان -لا ريب فيه-على الحكيم الخبير. (قصص الأنبياء، عبد الحليم محمود، ص 24).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع:
·
لا إله إلا الله "أدلة وجود الله وأول المخلوقات، د. علي
محمد محمد الصلابي، دار الأصالة – إسطنبول، ط1، 1443هـــ - 2022.
·
قصص الأنبياء في رحاب الكون مع الأنبياء
والرسل، عبد الحليم محمود، دار الرشاد للنشر والتوزيع، ط 1، 2010.