إسهامات علي
محمد الصلابي في ترشيد مسار الصحوة الإسلامية المعاصرة
بقلم:
أحمد شوقي عفيفي
داعية
إسلامي وكاتب بنغالي
شهدت الصحوة الإسلامية
المعاصرة منذ سبعينيات القرن العشرين انبعاثا متدرجا أعاد للإسلام حضوره في المجال
العام بعد سنوات من التراجع والانكماش. غير أن هذا الامتداد، على ما حمله من آمال
عريضة، لم يكن معفى من التحديات، إذ اعترضته إشكالات فكرية ومنهجية، وامتحانات
سياسية كشفت الحاجة إلى خطاب علمي رصين يعيد ترتيب الأولويات، ويقيم التوازن بين
المثال المنشود والواقع المشهود، ويضبط حركة الإصلاح بين طموح مشروع وإمكان متاح.
وفي هذا السياق برز
الدكتور علي محمد الصلابي بوصفه من الأصوات العلمية التي حملت هم الترشيد، وسعت
إلى إعادة الصحوة إلى جادة الاتزان. فقد قدم رؤية إصلاحية تجمع بين عمق التأصيل
الشرعي، واستحضار السنن التاريخية، ووعي التحليل الحركي، مؤكدا أن أي تحول حقيقي
لا يقوم إلا على قاعدة تربوية راسخة، وفهم متبصر للواقع، ونظر بعيد في المآلات.
أولا، إعادة
التأصيل الشرعي لمفهوم الصحوة:
انطلق الدكتور الصلابي
من قناعة راسخة مفادها أن أي مشروع إصلاحي لا يمكن أن يستقيم عوده ما لم يبن على
تأصيل شرعي عميق يضبط المفاهيم ويهدي المسار ويقي من مزالق الانحراف.
ولذلك أولى عناية خاصة
بإعادة تعريف مفهوم الصحوة بعيدا عن الاختزال الحركي أو الحصر السياسي، مؤكدا
أنها، قبل أن تكون حركة تنظيمية أو حضورا في ساحة الحكم، هي عودة شاملة إلى
الالتزام بالإسلام في كليته: عقيدة راسخة، وعبادة خاشعة، وسلوكا قويما، ومنهج حياة
ينساب في تفاصيل الفرد والمجتمع، ويؤسس لنهضة متوازنة الجذور والآفاق.
وقد سعى إلى تصحيح عدد
من المفاهيم التي شاع حولها الخلط في بعض أوساط العمل الإسلامي، مثل مفاهيم
التمكين، والحاكمية، والجهاد، والتغيير. فبين أن التمكين ليس مجرد وصول إلى
السلطة، بل هو تحقق العبودية لله في الفرد والمجتمع، وأن التغيير لا يكون
بالاندفاع غير المحسوب، بل بفهم السنن الإلهية التي تحكم حركة التاريخ.
كما شدد على أن الجهاد
مفهوم واسع يشمل مجاهدة النفس، وبناء المجتمع، والدعوة بالحكمة، ولا ينحصر في صور
الصدام المسلح.
بهذا التأصيل أعاد
الصلابي للصحوة بعدها الإيماني التربوي، وربطها بمقاصد الشريعة الكبرى في حفظ
الدين والنفس والعقل والمال والنسل، محذرا من اختزالها في بعد سياسي صرف قد يؤدي
إلى اضطراب الأولويات وخلل في الرؤية.
وقد نهض الدكتور
الصلابي بمهمة تصحيح جملة من المفاهيم التي التبست في بعض دوائر العمل الإسلامي،
فأصابها من الخلط ما أضعف دلالاتها وأربك تنزيلها. فتناول مفاهيم التمكين
والحاكمية والجهاد والتغيير بقراءة تأصيلية رصينة، أعاد بها الأمور إلى نصابها
الشرعي ومقاصدها الكلية. فبين أن التمكين ليس مجرد بلوغ سدة الحكم أو إحراز الغلبة
السياسية، بل هو قبل ذلك ترسخ معاني العبودية لله في ضمير الفرد وبنية المجتمع حتى
تصبح قيم العدل والإحسان والأمانة واقعا معاشا لا شعارا مرفوعا.
وأكد أن التغيير لا
ينال بالاندفاع المتعجل ولا بالخطوات غير المحسوبة، وإنما يتحقق بفهم عميق للسنن
الإلهية التي تضبط حركة التاريخ وتوجه مسارات العمران البشري.
كما وسع مفهوم الجهاد،
فحرره من ضيق التصور الذي يحصره في صور الصدام المسلح، وأبرزه في أفقه الرحب الذي
يشمل مجاهدة النفس، وبناء الإنسان، وإصلاح المجتمع، والدعوة بالحكمة والموعظة
الحسنة، وإقامة العدل بكل وسائله المشروعة.
فالجهاد في رؤيته
منظومة قيمية وسلوكية تتكامل فيها التربية والعمل، ويتعانق فيها البعد الروحي مع
البعد الحضاري.
وبهذا التأصيل أعاد
الدكتور الصلابي للصحوة بعدها الإيماني التربوي، وربطها بمقاصد الشريعة الكبرى في
حفظ الدين والنفس والعقل والمال والنسل، حتى لا تنزلق إلى اختزال سياسي صرف يربك
سلم الأولويات ويشوش الرؤية الكلية للمشروع الإصلاحي. فحرص على أن تبقى الصحوة مسارا
شاملا للإصلاح، متوازنا في غاياته ووسائله، متصلا بروح الشريعة ومقاصدها، بعيدا عن
ضيق الأفق أو اختزال المعاني في بعد واحد.
ثانيا،
فقه السنن وفقه المآلات:
من أعمق ما أسهم به
الدكتور علي محمد الصلابي في ترشيد مسار الصحوة تركيزه على فقه السنن وفقه
المآلات، إذ قرر أن حركة المجتمعات لا تجري على هوى الرغبات، وإنما تنتظمها سنن
إلهية ثابتة لا تحابي أحدا. ومن ثم فإن تجاهل هذه السنن، أو استعجال نتائجها، يفضي
إلى عواقب مؤلمة مهما حسنت المقاصد. واستلهم هذا الفهم من السيرة النبوية وتجارب
الخلفاء الراشدين، مبرزا قيمة التدرج، والصبر، وبناء الإنسان قبل الانتقال إلى
آفاق أوسع من التمكين.
أما فقه المآلات، فقد
جعله معيارا لنضج القرار وسلامة المسار، مؤكدا أن العبرة ليست بمشروعية الفعل في
ذاته فحسب، بل بما يفضي إليه من آثار ونتائج. وبهذا دعا إلى الانتقال من الاندفاع
العاطفي إلى التخطيط الواعي، القائم على قراءة دقيقة للواقع واستحضار موازين القوى.
ثالثا،
قراءة التاريخ لبناء الوعي:
لم تكن عناية الدكتور
الصلابي بالتاريخ الإسلامي استعادة وجدانية للماضي، بل قراءة تحليلية تستنطق
التجارب وتستخرج العبر.
فقد أبرز أن النهضة لا
تنشأ فجأة، بل تتشكل عبر مسار طويل من البناء التربوي والتنظيمي، وأن السقوط غالبا
ما يبدأ من خلل داخلي قبل أن تشتد وطأة العوامل الخارجية. وبهذا المنهج عمق البعد
الحضاري للصحوة، وربط حاضرها بوعي تاريخي راسخ.
رابعا، التوازن
بين الدعوة والسياسة:
في جدلية الدعوة
والسياسة قدم الدكتور الصلابي رؤية متوازنة، لا تفصل بين المجالين ولا تذيب أحدهما
في الآخر.
فالسياسة عنده مجال من
مجالات الإصلاح إذا انضبطت بالقيم الشرعية، غير أن الأصل يظل هو البناء التربوي
والعلمي. ومن هنا دعا إلى مشاركة رشيدة تحفظ الثوابت، وتراعي المصالح العامة،
وتوازن بين المبادئ ومتطلبات الواقع.
خامسا،
خطاب الوحدة وإدارة الخلاف:
أدرك الدكتور الصلابي
أن الانقسام الداخلي من أخطر ما يهدد أي مشروع إصلاحي، فدعا إلى ترسيخ ثقافة
الشورى والحوار، وإدارة الخلاف بروح أخلاقية تتسع للاجتهاد وتضيق بالتعصب. ورأى أن
التنوع إذا أحسن توجيهه كان مصدر قوة، وأن تقديم المشتركات الكبرى على النزاعات الجزئية
هو السبيل إلى صون الصف واستدامة المسار.
سادسا،
البعد الحضاري للصحوة:
وسع الدكتور الصلابي
مفهوم الصحوة لتكون مشروعا حضاريا متكاملا، يبدأ بإصلاح الفرد، ويترسخ في بناء
المجتمع، ولا يقتصر على التغيير السياسي العابر. فالنهضة في تصوره تقوم على تزكية
النفوس، وترسيخ القيم، وبناء مؤسسات عادلة وكفوءة، مع انفتاح واع على العصر يحفظ الهوية
ويستثمر الخبرة الإنسانية.
تتجلى إسهامات الدكتور
علي الصلابي في مسعاه الدؤوب إلى نقل الصحوة من طور الاندفاع إلى أفق الاتزان، ومن
ردود الأفعال إلى الرؤية المتبصرة.
فقد أعاد وصلها بفقه
السنن والمآلات، وربطها بوعي تاريخي وحضاري، مؤكدا أن نجاح أي مشروع إصلاحي رهين
بعمق تأصيله، وسلامة منهجه، وقدرته على تحقيق التوازن بين الثبات على المبادئ وحسن
تنزيلها على واقع متغير.
ــــــــــــــــــــــــ
* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي
كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
المراجع: مؤلفات
الدكتور علي محمد الصلابي.