البحث

التفاصيل

شهر رمضان شهر التضامن بين المسلمين

الرابط المختصر :

شهر رمضان شهر التضامن بين المسلمين

بقلم: د. دحام إبراهيم الهسنياني

عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

 

رمضان شهر المواساة والبذل والأفضال، وموسم الجود والرحمة والإكرام، شهر تربو الصدقة فيه إلى أضعافٍ كثيرة، والمعروف يتنامى إلى أجورٍ عظيمة، والإحسان يتعاظم إلى حدٍّ لا يخطر ببال الإنسان. شهرٌ بسط الله سبحانه فيه منازل الرحمة، وأغدق فيه ميادين النعمة، وأسبغَ منافع البذل والصدقة.

فمن مقاصد الصيام وحكمه وأسراره أن فيه تذكيراً للنفس، بما يلاقيه الفقراء والمحرومون من مرارة الجوع وألم الحرمان، فيوجب ذلك تنبيهاً للنفس وحثاً لها على مواساتهم والإحسان إليهم.

ومن حكمة الصوم أن الله تعالى علم ما ينال الفقير من شدة الجوع فأدخل على الغني الصوم ليذوق طعم الجوع ضرورة، حتى لا ينسى الفقير.

إن من أسرار الصيام الاجتماعية أنه تذكير عملي بجوع الجائعين، وبؤس البائسين تذكير بغير خطبة بليغة ولا لسان فصيح، لأن الذي نبت في أحضان النعمة ولم يعرف طعم الجوع، ولم يذق مرارة العطش، لعله يظن أن الناس كلهم مثله وأنه مادام يجد فالناس يجدون ومادام يطعم لحم طير مما يشتهي وفاكهة مما يتخير فلن يحرم الناس الخبز والطعام.

إن الصيام طريقٌ إلى المواساة، ومسلك من مسالك الإحسان. ومن حقق الصيام الشرعي الذي أمره الله سبحانه به، واجتنب ما يُخل به من قول الفحش أو سماعه، أو النظر إلى الحرام أو فعله؛ فهو حري أن يواسي إخوانه، ويحسن إلى الناس.

ويروى أن يوسف عليه السلام كان لا يشبع من طعام في سني القحط التي أصابت مصر، فقيل له تجوع وبيدك خزائن الأرض؟ فقال: أخاف إن شبعت أنسى الجائع،

ولذا فإن من تدبر هذا فقد هيأ قلبه لمواساة الفقراء بالمال والإطعام والتصدق والبذل والجود والإحسان، لأنهم إخوانه المؤمنين، وهذا من أعظم التكامل الاجتماعي، الذي يجعل العبد يشعر بشعور معاناة أخيه الفقير ومعدوم المال.

وهكذا سار صحابته والتابعون لهم بإحسان على هذا المنهج القويم من مُواساة إخوانهم، والإحسان إليهم، ويزداد هذا الخلق فيهم إذا كانوا صياماً؛ كما كان ابن عمر رضي الله عنهما يصوم ولا يفطر إلا مع المساكين، فإذا منعهم أهله عنه لم يَتَعَشَّ تلك الليلة! وكان إذا جاءه سائلٌ، وهو على طعامه أخذ نصيبه من الطعام، وقام فأعْطَاه السائل، فيرجع وقد أكل أهلُه ما بقي في الجَفْنَة، فيصبح صائمًا ولم يأكلْ شيئًا.

قال الامام الشافعي: (أُحبُّ للرجل الزيادة بالجود في شهر رمضان؛ اقتداءً برسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولحاجة الناس فيه إلى مصالحهم؛ ولتشاغل كثير منهم بالصوم والصلاة عن مكاسبهم).

رمضان شهر المواساة والبذل والأفضال، وموسم الجود والرحمة والإكرام، شهر تربو الصدقة فيه إلى أضعافٍ كثيرة، والمعروف يتنامى إلى أجورٍ عظيمة والإحسان يتعاظم إلى حدٍّ لا يخطر ببال الإنسان.

إن المواساة في رمضان مندوبٌ إليها بشتى فنونها وألوانها، فهناك فقير لا يجد طعاماً، ومسكين لا يجد كساءً، وسقيم لا يملك دواءً ومُعدم لا يملك درهماً ولا ديناراً، وثمّة جهال يحتاجون دعوةً وعلماً، ومُبتلون يرجون سعة ودعاء، كل أولئك مسلمون صائمون، أليس لهم علينا حقّ الإخوّة الإسلامية والرابطة الإيمانية؟!، قال تعالى: ]إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ[.

كان صلى الله عليه وسلم أعظم الناس سخاءً، وأكرمهم بذلاً، وأغزرهم جوداً، وفي رمضان يزدادُ جودهُ ويتضاعف ويتدفّق حتى يغطي أماكن كثيرة ويذهل مَن يراه بحيث لا يبقى شيء عنده، (إذ كان عطاؤه عطاء مَن لا يخشى الفقر، وكان العطاء والصدقة أحبّ شيء إليه، وكان سروره وفرحه بما يُعطيه أعظم من سرور الآخذ بما يأخذ، وكان أجود الناس بالخير، يمينه كالريح المرسلة وخاصة في شهر رمضان).

فالصوم يربي في الإنسان ملكة الحب والعطف والحنان، ويجعل منه إنساناً رقيق القلب، طيب النفس، ويحرك فيه كوامن الإيمان، فليس الصيام حرماناً للإنسان على الطعام والشراب، بل هو تفجير للطاقة الروحية في نفس الإنسان، ليشعر بشعور إخوانه، ويحس بإحساسهم، فيمد إليهم يد المساعدة والعون، ويمسح دموع البائسين، ويزيل أحزان المنكوبين، بما تجود به نفسه الخيرة الكريمة التي هذبها شهر الصيام، شهر التضامن بين المسلمين.

شهر يسود عندهم مشاعر الرحمة والسماحة والسخاء والتحسس بآلام الآخرين، ويدفع إلى تحقيق التكافل الاجتماعي في الأمة المسلمة، فيصبح بذلك موسما عالمياً ومهرجاناً عاماً للعبادات والخيرات يسهل فيه الصوم، وترقّ فيه القلوب، وتخشع فيه النفوس، وتميل فيه إلى أنواع العبادات والطاعات.

  ورمضان فرصة للتغيير.. من أخلاقنا. فمن جبل على الأنانية والشح وفقدان روح الشعور بالجسد الواحد، فشهر الصوم مدرسة عملية له، وهو أوقع في نفس الإنسان من نصح الناصح، وخطبة الخطيب، لأنه تذكير يسمعه ويتلقنه من صوت بطنه إذا جاع، وأمعائه إذا خلت، وكبده إذا احترت من العطش، يحصل له من ذلك تذكير عملي بـجوع الجائعين، وبؤس البائسين، وحاجة المحتاجين، فتسمح نفسه بأداء حق الله إليهم، وقد يجود عليهم بزيادة، فشهر الصيام شهر الجود والمواساة. وما اختتام شهر رمضان بافتراض زكاة الفطر إلا دليل على الدعوة إلى الجود والكرم.

الصوم يمنحنا مشاعر رحمة وتعاون وتعفف وسماح، فرمضان مدرسة للقضاء على صفة الأنانية والشح، ومن ثم الشعور بالجسد الواحد الذي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر.

إنَّ رمضان شهر المُواساة؛ فالشبعان من المسلمينَ يصوم ويجوع؛ ليُواسي إخوانه الجَوْعَى، ويُقَاسِمهم طعامه؛ ولربما لو لم يَصُمْ ولم يصبه الجوع ما تذكرهم. وصاحب الثراء يصوم كذلك؛ ليتذكر حال إخوانه الفقراء والمُحْتاجِينَ؛ فيَدْفَع لهم زكاته، ويتصدق عليهم من فضول أمواله.

وكم في الناس من أثرياء كانوا من قبل فقراء معدمين قد ذاقوا قرص الجوع، وأَلم الحرمان، أنعم الله عليهم بالخير الوفير، فأصابهم الثراء بعد الفقر، فأسرفوا في رزق الله تعالى لهم، ولم يؤدوا حقه عليهم، ونسوا أن لهم إخوانًا لا زالوا يذوقون قرص الجوع الذي ذاقوه هم من قبل، ويعالجون الفقر الذي أصابهم فيما مضى، فإذا ما صاموا وجاعوا تذكروا ماضيهم البئيس، وما أنعم الله عليهم به من الغنى والخير، فشكروا الله تعالى على ذلك، وتابوا من سرفهم، وواسوا إخوانهم المحرومين لأنه بالصوم يشعر الإنسان بآلام الآخرين، وبجوع الجائعين، وحرمان المحرومين، حين يذوق مرارة الجوع، وحرارة العطش، فيعطف عليهم قلبه، وتنبسط إليهم يده. ولهذا عرف رمضان بأنه شهر المواساة، والبرِّ، والخيرات، والصدقات.

 

ــــــــــــــــــــــــ

* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.


: الأوسمة


المرفقات

التالي
الهداية في ظلال القرآن - منهج حياة وكمال تشريع
السابق
إسهامات علي محمد الصلابي في ترشيد مسار الصحوة الإسلامية المعاصرة

مواضيع مرتبطة

البحث في الموقع

فروع الاتحاد


عرض الفروع