فقهُ الاستقبال الغائب
(مقاربة فقهية في بناء الوعي قبل العمل:
دراسة تأصيلية في المنهج الشرعي للتهيؤ لشهر
رمضان)
بقلم: الشيخ نشوان عادل البدراني
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
المقدمة
لم يعد الخلل في الواقع التعبدي المعاصر مقتصرا على الجهل
بالأحكام التفصيلية، بل تعداه إلى ضعف الوعي المقاصدي المنهجي بالعبادات من حيث غاياتها
ومسارات تهيئة النفس لها، ويظهر هذا بوضوح في استقبال شهر رمضان، إذ تحوّل في كثير
من البيئات من مشروع تزكية إلى موسم تعبدي مختزل في الجانب التنفيذي فقط، ومن
المعلوم أن الشعائر في الإسلام تمثل منظومات تربوية لإعادة تشكيل الإنسان معرفيا وروحيا
وسلوكيا، ومن هنا لا بد من تصحيح إشكالية المفهوم ، اذ الفقه لا يقتصر على بيان شروط
العبادة وأركانها، بل يتعدّى إلى فقه الاستعداد لها وبناء الوعي السابق عليها؛ لأن
غياب هذا الفقه يمثل أحد أهم أسباب ضعف الأثر التربوي للصيام في الواقع المعاصر، وأن
استعادته تتطلب إعادة الاعتبار للبعد المقاصدي والمعرفي في الاستعداد للعبادات.
أولا: مفهوم فقه الاستقبال وضبطه الاصطلاحي.
أ- الفقه بين الفهم والأداء.
الفقه في الاصطلاح: العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسبة
من أدلتها التفصيلية، هذا تعريف تعلمناه وحفظناه وتم التوسع في جوانب الصحة من
خلاله، ولكنه وعلى دقته لا يمنع من توسيع دائرة النظر إلى ما يسبق الفعل من وعي وتهيؤ
وقصد، والحكم الشرعي لا ينفك عن مقصده، ولا العمل عن نيّته، ومن خلال توسيع النظر يمكننا
استخلاص تعريف لفقه الاستقبال ونقول: [هو العلم بالمنهج الشرعي في التهيؤ للعبادة قبل
دخول وقتها، من حيث تصحيح القصد، وبناء الوعي بالمقاصد، وتهيئة النفس سلوكيا وتربويا]،
والعلماء يقررون أن الفقه في جوهره إدراك مراد الشارع إدراكا يثمر الامتثال الواعي،
وعليه فان الفقه ليس مجرد معرفة الأحكام، بل هو منهج لبناء الوعي الشرعي الذي يسبق
العمل ويضبطه.
ب-
مشروعية المفهوم من حيث التأصيل.
مفهوم فقه الاستقبال ليس محدثا، وليس بدعا من المفاهيم، بل
هو متجذر في النصوص وقواعدها الكلية وإن لم يُصَغ بهذا المصطلح، إذ يقوم على أصل مقرر
وهو أن الوسائل تأخذ حكم المقاصد، وأن ما لا يتم المقصود الشرعي إلا به فهو معتبر شرعا،
وبناء على ذلك فإن التهيؤ النفسي والمعرفي للعبادات يُعد من الوسائل المشروعة لتحقيق
مقاصدها، لا أمرا خارجا عنها، وقد دلّ المنهج القرآني على هذا الأصل من خلال تقديم
المقاصد قبل الأحكام، كما في آية الصيام التي قررت غاية التقوى قبل بيان تفاصيل الأداء،
مما يكشف أن الوعي بالمقصد شرط في صحة التلقي والعمل، كما يظهر هذا المعنى في سنة التدرج
في التشريع، حيث سبقت التربية الإيمانية مرحلة الإلزام بالأحكام، وهو ما يؤكد أن التهيئة
جزء من منهج التكليف، وقد قرر الامام الشاطبي أن الشريعة إنما تقصد إخراج المكلف من
سلطان الهوى إلى مقام العبودية الواعية، وهو مقصد لا يتحقق بمجرد صورة العمل دون إعداد
القلب له، كما بين الامام الغزالي أن ضعف أثر العبادات إنما ينشأ من أداء صورها مع
الغفلة عن شروطها الباطنة، وعليه فإن فقه الاستقبال ليس مفهوما مستحدثا في جوهره، بل
مصطلح معاصر لمعنى أصيل يتمثل في التهيئة التربوية التي تسبق العمل التعبدي وتُعد شرطا
لتحقق مقاصده وآثاره.
ثانيا: الأساس القرآني لفقه الاستقبال.
أ- مركزية المقصد في خطاب الصيام.
افتتح القرآن الكريم تشريع الصيام ببيان الغاية التربوية
، ولم يبدأ ببيان تفاصيل الأحكام ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ
الصِّيَامُ … لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 183)، وهذا الترتيب في الخطاب القرآني
ذو دلالة منهجية عميقة؛ إذ يؤسس لقاعدة مفادها [أن الوعي بالمقصد سابق على الاشتغال
بالفعل]، وقد قرر الامام الشاطبي (رحمه الله) في نظريته المقاصدية أن تقديم المقاصد
في الخطاب الشرعي يدل على أنها المدخل المنهجي لفهم التشريع والعمل به، ومن ثم فإن
التقوى ليست نتيجة تلقائية للصيام فحسب، بل غاية مشروطة بتحقق وعي الصائم بوظيفة الصيام
التربوية.
ب-
رمضان في سياق الهداية المعرفية.
قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ
هُدًى لِّلنَّاسِ﴾ (البقرة: 185)، فالآية تربط ربطا بنيويا بين الزمن (رمضان) والمنهج
(القرآن) والغاية (الهداية) ، مما يدل على أن استقبال رمضان الحقيقي يبدأ باستقبال
مصدر الهداية وهو القرآن الكريم باعتباره مرجعية الوعي، والوعي القرآني هو الذي يمنح
الصيام معناه.
ثالثا: فقه الاستقبال في السنة النبوية.
أ- النية بوصفها والوعي القلبي.
قال النبي ﷺ: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم
من ذنبه» (متفق عليه)، فهنا النص لا يعلّق الأثر (المغفرة) على مجرد الصيام، بل على
الوصف القلبي السابق له (الإيمان والاحتساب)، وهنا يقرر الحديث النبوي أن النية هنا
ليست مجرد شرط صحة، بل منهج الاستقبال وأساسه، واتفق الشراح على أن (إيمانا واحتسابا)
تعني الصيام على وعي بحقيقته ومقصده لا مجرد عادة زمنية.
ب- التحذير من فقدان المعنى.
قال ﷺ: «رُبَّ صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش» (رواه
أحمد)، وهذا نصّ نبوي تأسيسي تحذيري من غياب الوعي وفي بيان خطر ممارسة العبادة بلا
إدراك مقصدها، وهو ما يمكن اعتباره نتيجة مباشرة لغياب فقه الاستقبال؛ لأن فقدان الوعي
المقاصدي قد يبطل الأثر التربوي للعبادة وإن صحت صورتها.
رابعا: فقه الاستقبال في منهج السلف والعلماء.
أ-
الاستعداد الزمني والقلبي.
نقل ابن رجب الحنبلي في لطائف المعارف عن السلف (رحم
الله الجميع) أنهم كانوا: «يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ثم يدعونه ستة أشهر
أن يتقبله منهم»، وهذا يدل على أن الاستقبال كان عندهم عملية تربوية ممتدة لا لحظة
زمنية، وأن رمضان لم يكن حدثا مفاجئا، بل مسارا تعبديا ممتدا.
ب- أقوال العلماء في فقه التهيؤ.
قال ابن رجب الحنبلي: «أفضل ما يُستقبل به رمضان التوبة النصوح»،
وقال الغزالي: «حقيقة الصوم كفّ الجوارح عن الآثام قبل كفّ البطن عن الطعام»،
وهناك أقوال وأقوال، ولكن القصد التدليل على موضوعنا، فهذه الأقوال تعكس عمق الفقه
التربوي للاستقبال، تؤكد أن الفقه الحقيقي للصيام يبدأ من إصلاح الباطن لا من ضبط الظاهر
فقط، وهذا وعي ظاهر.
خامسا: مظاهر غياب فقه الاستقبال في الواقع
المعاصر.
يمكن رصد هذا الغياب في مظاهر متعددة منها:
-
اختزال الاستقبال في برامج تنظيمية دون بناء الوعي.
-
تغليب البعد الاستهلاكي والاجتماعي على مقصد التزكية.
-
الفصل بين فقه الأحكام وفقه المقاصد.
-
تحول رمضان إلى ظاهرة اجتماعية موسمية.
-
ضعف الخطاب التربوي العميق في الثقافة الدينية العامة.
وهذه المظاهر أدت إلى ضعف الأثر التربوي للصيام رغم كثافة
الممارسة، وعدم إدراك ان رمضان منظومة إصلاح اجتماعي لا تجربة فردية فقط.
الخاتمة: نحو استعادة الوعي لفقه الاستقبال.
ان استعادة فقه الاستقبال ضرورة علمية وتربوية لا ترفا فكريا،
وذلك من خلال اعادة الاعتبار لفقه المقاصد في الخطاب الرمضاني، وترسيخ مركزية النية
والوعي القبلي بالعبادة، وبناء برامج علمية وتربوية تُعنى بالتهيؤ لا بالاستهلاك، فإذا
تحقق ذلك عاد رمضان إلى وظيفته الأصلية مشروعا لإعادة بناء الإنسان ليكون أكثر وعيًا
بربه وبنفسه وبرسالته في الحياة، لا مجرد موسم للامتناع والانشغال.
نسأل الله تعالى التوفيق والسداد والاعانة والهداية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* الشيخ نشوان عادل البدراني؛ عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
ومدير ادارة المجمع الفقهي العراقي/ نينوى.