بسم
الله الرحمن الرحيم
الكليات الخمس والشهود
الحضاري للإسلام
{قُلْ
إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ
وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ
يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ}
[الأعراف: 33].
قد
يتساءل البعض حول الواقع الذي نعيشه: هل نحن أمام صراع حضاري حقيقي؟ أم أننا أمام
انتقام من حضارة فاقت في روعتها وثباتها وبقائها جميع أدوات الإزالة التي تمارس
عليها باسم الحضارة الغربية الجوفاء؟
ومما
لا شك فيه أن الحضارات حتى تبقى، لا بد أن تبنى على أركان تضرب جذورها في أعماق
الأجيال، وتمتد عبر الزمن بلا توقف؛ فإذا اختلت هذه الأركان أو ضعفت، انهارت
الحضارة وبادت، وحرمت الأجيال من البناء عليها واستكمال رقيها.
شهدت
الدنيا حضارات متعاقبة يتفاخر بها أهل موطنها وكأنهم أصحابها؛ كالهندية، والصينية،
والفرعونية، والإغريقية، والآشورية، والرومانية، وغيرها. ولكن، هل تم البناء
الحضاري على ما وصلت إليه إحدى هذه الحضارات؟ وهل بنيت هذه الحضارات على أركان
تمكنها أن تبقى في أعماق الزمن؟
وبالطبع
لا أقصد الآثار الحضارية من عمارة وبنيان ومظاهر مادية رغم عظمها وتألقها؛ ولكنني
أقصد حضارة ممتدة بدأت واستمرت عبر الزمن ولم يتوقف عطاؤها.
جاء
الإسلام العظيم الشاهد الأهم على الإنسانية، الذي بني على الديانات السماوية
السابقة له؛ وهذا ما بينه حديث أبي هريرة فيما رواه مسلم أن النبي -صلى الله عليه
وسلم- قال: "مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بنيانًا فأحسنه وجمله،
إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه، فجعل الناس يطوفون به ويقولون: هلّا وضعت هذه
اللبنة؟ قال: فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين".
وعبارة
"أنا خاتم النبيين" لها دلالة حضارية مهمة جدًا، تفسح مجال الإبداع
الحضاري وتعطيه الاستمرارية بلا توقف وبلا حدود؛ ذلك لأنه بني على تطور حضاري عقدي
إنساني، وأغلق جميع الثغرات المفروضة من الزمن المتواصل حتى بلغ.
وبدأ
أول ما بدأ بوضع الكليات الخمس التي يجب أن تبنى عليها جميع المكونات الحضارية،
والتي لو فقدت واحدة منها اختل التوازن الحضاري وفقد أسباب البقاء. وهذه الكليات
هي: النفس، والعقل، والدين، والنسل، والمال.
وكأن
هذا الدين المهيمن لما وضع هذه الكليات، وفرض على الإنسانية أن تجعلها أركانًا
حضارية أساسية؛ كأنه يقول: حافظ أيها الإنسان على هذه الأركان وافعل بعدها ما
تشاء. ستجد نفسك ترتقي وتنهض وتتطور وتستمر وتبقى، وسيكون الرقي والبقاء ذا جذور
عميقة ضاربة في أعماق الزمن بلا انقطاع أو توقف، وسيكون الإنسان شاهدًا حضاريًا
فعالًا ممسكًا بأدواتها، مسترسلًا بتطويرها، تنعكس عليه خيراتها ومجالاتها منذ ما
قبل ميلاده إلى ما بعد وفاته، ما حافظ على أركانها وهي الكليات الخمس. وأقصد بما
قبل الميلاد النطفة، وما بعد الوفاة التركة والحقوق.
الحضارة الغربية إلى
أين؟
مع
انعدام العناية بالكليات الخمس من مكونات الحضارة الغربية؛ نجد بين صفحات الزمن
انتكاسات حضارية صاعقة؛ حيث تدمير النفس البشرية بكل أدوات الدمار واستخدامها
بالفعل، وتوجيه العقل إلى غير وجهته الفطرية بدعم المفاسد العقدية ومحاربة الفطرة
النقية التي هي صمام الأمان لكل فعل أو قول في كل زمان ومكان، وتغول المادة
وهيمنتها على السوق في كل شيء بلا حسيب ولا رقيب.
وأما
النطف، فلم يعد لها قيمة ولا وزن والعياذ بالله؛ فأصبحت هذه الحضارة المزعومة
وحشًا ضاريًا ينهش في جسد البشرية، وتتآكل أمامها جميع الأركان الحضارية. ولا شك
أن هذا العدوان على الكليات الخمس -التي هي الأركان الرواسي لبقاء الحضارات- فإن
ذلك ولا شك سيؤدي حتمًا إلى أن تصير هذه الحضارة المزعومة إلى مصاف سابقاتها.
إننا
نخشى أن تكون هذه الجولة من تمكن هذه الحضارة المزعومة من نفسها ومن واقع الأمم
وبالًا مبيدًا لما سبق من حضارات، يعود بالإنسانية إلى أيامها الأولى. ولا أدلَّ
على ذلك مما ثبت من جرائم بشعة لا يتصورها عقل على أيدي عِلية القوم المتعالين
بحضارتهم ورقيهم المزعوم، والتي هي صورة قذرة يندى لها جبين الإنسانية. وهذا ما
يُعرض اليوم من إبادة جماعية في فلسطين على أيدى الصهاينة وأعوانهم، وكذلك في
"جزيرة الوحوش البشرية"_ إبيستين _ وما تم كشفه من جرائم بشعة والتي
منها أكل لحوم الأجنة، واغتصاب القاصرات، والتلذذ في بقر بطون الحوامل أحياء؛ وهنا
نسأل من أي عصر أتى هؤلاء؟ ومن أي زمن جاءونا؟ وإلى من ينتسبون من أراذل البشر؟
وإننا نقول بإيمان ويقين إن عقاب الله قادم لا محالة على هؤلاء المجرمين وأعوانهم.
قال
الله تعالى: [وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ
أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ] (الحج: 48).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* ملحوظة: جميع المقالات
المنشورة تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء
المسلمين.
*
د. مروان أبوراس – أبو عاصم: عضو المجلس التشريعي الفلسطيني، رئيس لجنة القدس
وفلسطين بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.