ماذا نريد من شباب الأمة في رمضان؟
بقلم: د. أسامة عيد
رئيس لجنة الشباب بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
الحمد
لله الذي بلَّغنا رمضان، ونسأله أن يبلغنا فيه رضاه، والصلاة والسلام على سيدنا
محمدٍ ﷺ، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
إلى
شباب الأمة في مشارق الأرض ومغاربها…
السلام
عليكم ورحمة الله وبركاته، وكل عامٍ وأنتم إلى الله أقرب، وعلى الطاعة أحرص،
وبالخير أسبق.
نبارك
لكم حلول شهر رمضان المبارك، شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النيران، شهر تتنزل
فيه السكينة، وتُفتح فيه أبواب الجنان، وتُغلق فيه أبواب النيران. روى البخاري
ومسلم وغيرهما، قال رسول الله ﷺ: "إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أبْوَابُ
الجَنَّةِ، وغُلِّقَتْ أبْوَابُ جَهَنَّمَ، وسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ"[1].
إنه
شهر العبادة والفكر، شهر التلاوة والذكر، شهر النقاء والطهر، شهر السر والجهر… شهر
القرب من الله، شهر الصيام الذي قال فيه رب العزة في الحديث القدسي: «الصوم لي
وأنا أجزي به»[2].
هو
شهر النية الصحيحة الخالصة المخلصة، لمن يعلم السر وأخفى، ويعلم ما توسوس به
النفوس. قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ
كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا
مَّعْدُودَاتٍ﴾
[البقرة: 183-184].
يا شباب أمتنا..
إن
الإسلام قد عُنى بالشَّبابِ عنايةً تامَّةً، فأعلى من قيمتِهم، وزكَّى نفوسهم،
وراعى طاقاتِهم، ووضع السُّبلَ الَّتى تُعينهم على تسخيرِ تلك الطَّاقةِ فى الخيرِ
والمعروفِ، وبما يعود عليهم بالفائدةِ فى أنفسِهم وأوطانِهم، وبما ينفعُهم فى
الدُّنيا والآخرةِ، ولقد أثنى الله على أهل الإيمان الَّذين أَوَوا إلى الكهفِ
فذكر أوَّل صفاتهم أنَّهم شبابٌ، قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ
فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف:13]، وكان
النَّبىُّ ﷺ محاطاً بشبابِ الصَّحابةِ الَّذين نقلوا نورَ الوحىِ إلى الدُّنيا،
وكثيراً ما كانَ ﷺ يُكلِّفهم للقيامِ بعددٍ مِن المهامِ الجسامِ؛ فكان مصعبُ بنُ
عميرٍ أوَّلَ سفيرٍ للإسلامِ فى المدينةِ يعلِّمُ أهلَها، وكانَ أسامةُ بنُ زيدٍ
قائدَ جيشٍ، ولم يتجاوزْ عمرُه ثمانيةَ عشرَ عاماً.
ولقد
أوصى رسول الله ﷺ بالعناية بالشباب وتقديمهم، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ
رضي الله عنه، أَنَّهُ كَانَ إِذَا رَأَى الشَّبَابَ قَالَ: "مَرْحَبًا
بِوَصِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَوْصَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُوَسَّعَ
لَكُمْ فِي الْمَجَالِسِ".[3]
وكَانَ
عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ رضي الله عنه إِذَا رَأَى الشَّبَابَ يَطْلُبُونَ
الْعِلْمَ قَالَ: "مَرْحَبًا بِكُمْ يَنَابِيعَ الْحِكْمَةِ، وَمَصَابِيحَ
الظُّلْمَةِ، خُلْقَانَ الثِّيَابِ، جُدُدَ الْقُلُوبِ، حُلْسَ البُيُوتِ،
رَيْحَانَ كُلِّ قَبِيلَةٍ".[4]
رمضان فرصةُ العُمر
يا
شبابَ الأمة…
رمضانُ
ليس شهرَ عاداتٍ تُكرَّر، ولا طقوسًا موسميةً تنقضي بانقضائه، بل هو شهرُ انطلاقةٍ
جديدة، وميلادٍ إيمانيٍّ متجدّد، ومدرسةُ إعدادٍ تُصاغ فيها الشخصيات، وتُبنى فيها
الإرادات، وتُصنع فيها النماذج التي تحمل همَّ الدين والأمة.
إنه
فرصةٌ لا تُعوَّض، وأيامٌ معدوداتٌ سرعان ما تنقضي، فالسعيدُ من اغتنمها، والشقيُّ
من ودّعها كما استقبلها دون أثرٍ أو تغيّر.
عن
عبد الله ابن عباس قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ لرجلٍ وهو يَعِظُه: "اغتنِمْ خمسًا
قبل خمسٍ: شبابَك قبل هَرَمِك، وصِحَّتَك قبل سَقَمِك، وغناك قبل فقرِك، وفراغَك
قبل شُغلِك، وحياتَك قبل موتِك."[5]
فماذا
لو حرصنا على استثمار طاقة الشباب في الطاعة قبل أن تذبل؟
وماذا
لو اغتنمنا ساعات القوة قبل أن تتحول إلى ذكريات؟
وماذا
لو عمّرنا هذه المرحلة الذهبية بما ينفعنا عند الله يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون؟
إن
الشبابَ رأسُ المال، وزمنُ العطاء، وميدانُ البناء. وإن أعظم الخسارة أن تمضي هذه
المرحلة دون أثرٍ خالد، أو عملٍ باقٍ، أو مشروعِ صلاحٍ وإصلاح.
وقد
صدق من قال:
شبابٌ
ذلَّلوا سُبلَ المعالي *** وما عرفوا سوى الإسلام دينا
ولم
تشهدهم الأقداحُ يومًا *** وقد ملؤوا نواديهم مجونا
وما
عرفوا الخلاعةَ في بناتٍ *** وما عرفوا التخنُّث في بنينا
كذلك
أخرج الإسلامُ قومي *** شبابًا مخلصًا حرًّا أمينا
وعلّمه
الكرامةَ كيف تُبنى *** فيأبى أن يُقيَّد أو يهونا
فهكذا
يصنع رمضان، وهكذا يصنع الإسلام:
شبابًا
طموحًا لا يعرف الدَّعة، نقيًّا لا تستهويه الشهوات، حرًّا لا تقيده الأهواء،
أمينًا يحمل الرسالة بصدقٍ وثبات.
فليكن
رمضانكم — يا شباب الأمة — موسم صناعةٍ حقيقيةٍ للذات، وعهدًا جديدًا مع الله،
وانطلاقةً نحو المعالي، حتى تخرجوا منه أقوى إيمانًا، وأرسخ مبدأً، وأصفى قلبًا،
وأسمى هدفًا.
وما
أصدق قول شوقي رحمه الله:
شبابٌ
قنعٌ لا خير فيهم *** وبورك في الشباب الطامحينا
ماذا نريد منكم - يا شباب الأمة - في رمضان؟
نريد
منكم — يا أمل الأمة ونبضها الحي — أن تجعلوا من هذا الشهر محطة انطلاق، لا محطة
عبور؛ وأن يكون رمضان في حياتكم مشروعَ تغييرٍ حقيقي، لا موسمًا عابرًا.
نريد
منكم أن:
▪
تعمّروا مساجدكم
حضورًا وخشوعًا وتعلقًا.
لتكن بيوت الله موطن
أرواحكم، ومجالس تربيتكم، ومدارس إيمانكم. لا حضور الأجساد فقط، بل حضور القلوب
والعقول، خشوعًا ينعكس على السلوك، وتعلّقًا يُثمر ثباتًا بعد رمضان. يقول ابن
القيم رحمه الله: "إن في القلب لشعثا لا يلمه إلا الإقبال على الله، وعليه
وحشة لا يزيلها إلا الأنس به في خلوته، وفيه حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفته عز
وجل، وفيه طلب شديد لا يقف دون أن يكون الله تعالى هو وحده المطلوب"[6].
▪
تحيوا لياليكم
بالقرآن تلاوةً وتدبرًا وعملاً.
اجعلوا القرآن ربيع
قلوبكم، ومصدر وعيكم، ومنهج حياتكم. لا يكن همُّكم كثرة الصفحات، بل عمق التأثر،
وصدق الامتثال، وتحويل الآيات إلى واقع يُرى في أخلاقكم وأعمالكم.
عن
عبد الله بن عمرو رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: "الصيام والقرآن يشفعان
للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب، منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفّعني
فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفّعني فيه، فيُشفَّعان".[7]
روى
الإمام أحمد عن عثمان رضي الله عنه قال: "ما أحب أن يأتي علي يوم ولا ليلة
إلا أنظر في كتاب الله".[8]
▪
تجددوا نياتكم في كل عمل، صغيرًا كان أو كبيرًا.
فالنية الصادقة تحوّل
العادة إلى عبادة، والدنيا إلى آخرة. راقبوا قلوبكم، وأخلصوا أعمالكم، فإنما
الأعمال بالنيات، ورب عملٍ صغيرٍ عظّمته النية، ورب عملٍ كبيرٍ أحبطه الرياء.
▪
تصلحوا قلوبكم
قبل أعمالكم.
فالقلب هو موضع نظر الله،
وإذا صلح القلب صلح الجسد كله. طهّروه من الغلّ والحسد، ومن الغفلة والرياء،
واملؤوه بمحبة الله، وحسن الظن به، والتوكل عليه.
▪
تكونوا قدوةً في
الأخلاق، صدقًا وأمانةً وعفةً وإحسانًا.
فالشباب الصالح ليس عابدًا
في محرابه فقط، بل نموذجًا يُحتذى في بيته، ومدرسته، وجامعته، وعمله. بأخلاقكم
تُبنى الأمم، وبسلوككم يُعرف الإسلام.
▪
تخدموا أوطانكم
ومجتمعاتكم بروحٍ إيجابية ومسؤولية حضارية.
فالإيمان ليس انعزالًا، بل
رسالة وعطاء. كونوا عناصر بناءٍ وإصلاح، مبادرين إلى الخير، حاملين همّ أمتكم،
عاملين لنهضتها بعلمٍ، وإتقانٍ، وإخلاص، وجهاد.
ليكن
رمضان نقطة تحوّلٍ حقيقية في حياتكم؛ بداية صفحةٍ جديدة مع الله، وعهدًا صادقًا
على الطاعة والثبات، ومراجعةً جادةً للنفس، وتصحيحًا للمسار، وبناءً واعيًا للذات،
حتى تخرجوا من رمضان وأنتم أقرب إلى الله، وأقوى في الإيمان، وأصلح في العمل،
وأسمى في الطموح.
وإلى شبابنا الواعي المرابط، الصابر المحتسب، في غزة العزة…
إلى
القلوب الثابتة تحت البلاء، والوجوه التي لم تُطفئها العواصف، والإرادات التي لم
تنكسر أمام المحن…
نحيّي
فيكم وعيكم، وصبركم، ورباطكم، وثباتكم على الحق رغم شدة الابتلاء. أنتم اليوم
عنوان الكرامة، وصوت الصمود، وشاهد حيّ على أن الإيمان إذا استقر في القلوب صنع من
المحن منحًا، ومن الألم أملاً.
يا شباب غزة…
رمضانكم
هذا ليس كغيره، لكنه عند الله أعظم أجرًا، وأرفع قدرًا، وأصدق شاهدًا. أنتم
مرابطون في أرض مباركة، تثبتون أن الشباب المؤمن لا تزعزعه الشدائد، ولا تُسقطه
التحديات.
وأنتم
في سجل الأمة صفحة عزٍّ لا تُمحى.
نسأل
الله أن يثبت أقدامكم، ويجبر خواطركم، ويحفظكم بحفظه، ويكتب لكم أجر الصابرين
والمرابطين، وأن يجعل ما تقدمونه رفعةً لكم في الدنيا والآخرة.
كلمة أخيرة
يا
شباب الأمة… أنتم عدتها ورجاؤها، وأنتم حملة رسالتها. إن أمتنا اليوم أحوج ما تكون
إلى شبابٍ صادقٍ، واعٍ، طموحٍ، يجمع بين العبادة والعمل، وبين الإيمان والعمران.
اجعلوا
رمضان مدرسة إيمان، وميدان عمل، ومنطلق نهضة.
واذكروا
أن الأيام معدودات، وأن العمر أقصر مما نظن، وأن أعمار الأمم تقاس بما يقدمه
شبابها.
نسأل
الله أن يجعل هذا الشهر فاتحة خير عليكم، وأن يكتب لكم القبول، وأن يجعلنا وإياكم من
الذين يُقال لهم يوم القيامة: ﴿سلام عليكم طبتم
فادخلوها خالدين﴾.
وآخر
دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة
عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
[1] البخاري، صحيح البخاري، رقم الحديث 3277؛ ومسلم، صحيح مسلم،
رقم الحديث 1079.
[2] البخاري، صحيح البخاري، رقم الحديث 1761؛ ومسلم، صحيح مسلم،
رقم الحديث 1946.
[3] الرامهرمزي، المحدث الفاصل بين الراوي والواعي. تحقيق: محمد
عجاج الخطيب. بيروت: دار الفكر، 1404هـ/1984م، صـ 20؛ والبيهقي في شعب الإيمان،
حديث رقم 1741، باختلافٍ يسير.
[4] ابن عبد البر، جامع بيان العلم وفضله. تحقيق: أبو الأشبال
الزهيري. الرياض: دار ابن الجوزي، 1994م،
جـ1، صـ 232.
[5] أخرجه ابن أبي الدنيا في قِصَر الأمل، حديث رقم 111 واللفظ
له؛ والحاكم في المستدرك على الصحيحين، حديث رقم 7846؛ والبيهقي في شعب الإيمان،
حديث رقم (10248)، باختلافٍ يسير.
[6] ابن القيم، مدارج السالكين، ج3، ص 156.
[7] رواه الإمام
أحمد في المسند (ج14، ص445، رقم 6626)، والطبراني في المعجم الكبير (ج12، ص445،
رقم 13613)، والحاكم في المستدرك (ج 1، ص 554، رقم 1931)، وقال: هذا حديث صحيح
الإسناد، ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، رقم 1429.
[8] أحمد بن
حنبل، الزهد، ص 128.