نشر الإسلام مسؤوليةُ الجميعِ كلٌّ حسب استطاعته
بقلم: د. كوني بمان
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
الحمدُ
للهِ ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على سيدِنا محمدٍ، المبعوثِ رحمةً
للعالمين، وعلى آله وصحبِه أجمعين.
مقدمة
إنَّ
الإسلامَ دينُ هدايةٍ ورحمةٍ وعدل، أنزله الله تعالى ليُخرجَ الناسَ من الظلماتِ
إلى النور، وجعل تبليغَه أمانةً في أعناق المؤمنين جميعًا، لا فئةً مخصوصةً دون
أخرى. فالدعوةُ إلى الله ليست حِكرًا على العلماء أو الأئمة فحسب، بل هي مسؤوليةٌ
جماعية، يؤديها كلُّ مسلمٍ ومسلمةٍ بحسب علمه وقدرته ومجاله.
وقد
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ
صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (فصلت: 33) وقال النبي ﷺ:
«بلِّغوا عني ولو آية».
فهذه
النصوصُ تؤكد أن التبليغَ واجبٌ عامٌّ، وأن المعيارَ هو الاستطاعة.
أولًا: مفهوم نشر الإسلام
نشر
الإسلام لا يعني الإكراه أو الجدل العقيم، بل هو تعريفُ الناس بحقيقة الدين،
وإظهارُ محاسنه، وتجسيدُ قيمه في السلوك والمعاملة. فالدعوة تكون: بالكلمة الطيبة،
وبالقدوة الحسنة، وبالعمل الصالح، وبالدعم المادي، والمعنوي.
وقد
كان رسول الله ﷺ – وهو القدوة الأعظم – يجمع بين الدعوة بالقول والعمل، حتى أثَّر
في القلوب قبل العقول.
ثانيًا: مسؤولية الجميع لا النخبة فقط
يخطئ
من يظن أن نشر الإسلام مهمة العلماء وحدهم؛ فالعلماء يُبيِّنون الأحكام ويُرشدون،
لكن عامة المسلمين شركاء في حمل الرسالة.
قال
تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾
(النحل: 125) فكلُّ مسلمٍ يملك شيئًا من الخير يستطيع أن يبلِّغه: العالم بعلمه
وتعليمه، المعلّم بتربية الأجيال على القيم، والتاجر بصدقه وأمانته، والموظف
بإتقانه وإخلاصه، الطالب بحسن خلقه واجتهاده، والمرأة في بيتها بتنشئة الأبناء على
العقيدة الصحيحة، والشباب باستثمار وسائل الإعلام والتقنية في نشر المحتوى الهادف.
ثالثًا: مجالات نشر الإسلام في العصر الحديث
في
زمن الانفتاح الإعلامي والتواصل الرقمي، تعددت وسائل الدعوة، وأصبحت الفرصة أوسع
من أي وقت مضى، ومنها:
1. وسائل
التواصل الاجتماعي: نشر الآيات، والأحاديث، والمواعظ الموثوقة.
2.
المبادرات الاجتماعية: كإغاثة المحتاجين، ورعاية الأيتام، ودعم الأرامل؛ فهذه
أعمال دعوية عملية.
3.
الحوار الحضاري: عرض الإسلام بلغة معتدلة تحترم الآخر.
4.
المؤسسات التعليمية والدعوية: دعمها والمساهمة في أنشطتها.
5.
العمل الخيري والإنساني: الذي يُجسّد قيم الرحمة والتكافل.
إن
الواقع في بلدانٍ كـكوت ديفوار وغيرها من المجتمعات المتنوعة دينيًا وثقافيًا،
يفرض على المسلمين أن يكونوا سفراء حقيقيين لدينهم بأخلاقهم قبل أقوالهم، وبسلوكهم
قبل خطبهم.
رابعًا: ضوابط نشر الإسلام
حتى
تكون الدعوة مثمرة، لا بد من مراعاة ضوابط شرعية وأخلاقية، منها: الإخلاص لله
تعالى، والعلم بما يُدعى إليه، والحكمة في الأسلوب، ومراعاة أحوال الناس
وثقافاتهم، والبعد عن الغلو والتشدد، والالتزام بالقوانين العامة التي تحفظ السلم
الاجتماعي.
خامسًا: ثمرات القيام بالمسؤولية
عندما
يؤدي المسلمون واجبهم في نشر الإسلام: تنتشر القيم الأخلاقية، ويقوى التماسك
الاجتماعي، تُصحَّح الصور النمطية عن الإسلام، ويتحقق الأجر العظيم في الدنيا
والآخرة. وقد وعد الله تعالى الداعين إليه بالرفعة والأجر، لأنهم يحملون أعظم
رسالة.
خاتمة
إن
نشر الإسلام أمانةٌ عظيمة، ومسؤوليةٌ مشتركة، يؤديها كلُّ فردٍ حسب قدرته
واستطاعته. فليُسهم كلُّ واحدٍ منا بنصيبه من الخير، وليكن قدوةً صالحةً في بيته،
وعمله، ومجتمعه.
فالدعوةُ
ليست كلماتٍ تُقال فحسب، بل سلوكٌ يُرى، ورحمةٌ تُحس، وعدلٌ يُطبَّق.
نسأل
الله أن يجعلنا من الداعين إليه بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن يوفقنا لحمل رسالته
بأمانةٍ وإخلاص.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة
عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
* د. كوني بمان: عضو الاتحاد العالمي لعلماء
المسلمين. أستاذ ورئيس إدارة التعليم، جامعة أفريقيا الإسلامية،
أبيدجان/ ساحل العاج.