مقاماتك الأربعة مع القرآن
كتبه: أ.د. فضل بن عبد الله مراد
الأمين العام المساعد للاتحاد العالمي لعلماء
المسلمين
نرى هذه الأيام
من يزهّد الناس في تلاوة القرآن والإكثار من ختماته باسم التدبر، وانتشر هذا على مواقع
التواصل من غير أهل العلم، وقد يكون بحسن نية. وهذا غير صواب، لأن التدبر مقام لا يقضي
على بقية المقامات مع القرآن، خاصة في رمضان.
فالتلاوة
والإكثار منها مطلوبة، والتلاوة مقصودة لعموم أهل الإسلام، بل هي ربع مقصود البعثة،
فهي مقام مستقل. قال تعالى: {لقد منَّ الله على المؤمنين
إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكّيهم ويعلّمهم الكتاب والحكمة
وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} [سورة آل عمران: 164].
وللقرآن أربعة مقامات في رمضان
المقام الأول: مقام التلاوة والإكثار منها في رمضان
وهذا ما ركز
عليه السلف والخلف من هذه الأمة، فقد كانوا يتلون القرآن في شهر رمضان، في الصلاة وغيرها.
كان الأسود يقرأ في كل ليلتين في رمضان، وكان النخعي يفعل ذلك في العشر الأواخر منه
خاصة، وفي بقية الشهر في ثلاث، وكان قتادة يختم في كل سبع دائما، وفي رمضان في كل ثلاث،
وفي العشر الأواخر كل ليلة. وكان للشافعي في رمضان ختمة بالليل وختمة بالنهار، وعن
أبي حنيفة نحوه.
فالحاصل أن
الإكثار من قراءة القرآن أمر مقصود، فيُقرأ في ثلاث ليال وأكثر وأقل في رمضان. قال
ابن عبد الحكم: كان مالك إذا دخل رمضان فر من قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم، وأقبل
على تلاوة القرآن من المصحف. وقال عبد الرزاق: كان سفيان الثوري إذا دخل رمضان ترك
جميع العبادة، وأقبل على قراءة القرآن.
المقام الثاني: مقام المدارسة
وهذا دلت
عليه مدارسة جبريل كل رمضان مع النبي صلى الله عليه وسلم؛ فعن ابن عباس، قال: «كان
رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل،
وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلَرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود
بالخير من الريح المرسلة». وفي حديث ابن عباس جملة
من الفوائد والمسائل:
·
فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس؛ لأنه جعله
أجود من الريح المرسلة، ولا يكون أجود من الريح المرسلة إلا من لا يساويه في الجود
أحد.
·
وفيه دليل على أهمية زيادة العمل الصالح في الأوقات المباركة
كرمضان، فقد زاد عليه الصلاة والسلام من الجود، والعمل الصالح.
·
وفيه أن الجود في رمضان له فضل على غيره، لذلك زاد فيه صلى
الله عليه وسلم في هذا الشهر، وإخراج الزكاة فيه داخل في هذا الفضل.
·
وفيه أن الجود من الصفات العلية؛ لذلك كان الجود من خُلُقه
صلى الله عليه وسلم.
·
وفيه مشروعية الصدقة حين مدارسة القرآن، وملاقاة الصالحين،
والجود بأنواع الجود؛ لذلك كان أجود ما يكون حين يلقاه جبريل لمدارسة القرآن.
·
وفيه مدارسة القرآن في رمضان.
·
وفيه عرضه على المتقن.
·
وفيه أن مدارسة القرآن غير تلاوته في القيام، فهي سنة مستقلة.
·
وفيه مدارسة القرآن جماعة.
·
وفيه أن الليل أولى لمدارسة القرآن؛ لما فيه من الخصوصية.
قال ابن رجب: «وفي حديث ابن عباس أن المدارسة بينه وبين جبريل كانت ليلا، فدل على استحباب
الإكثار من التلاوة في رمضان ليلا».
المقام الثالث: مقام الصلاة به
وهذا مستفيض
من فعله عليه الصلاة والسلام وفعل أصحابه، وفي كتابنا «فقه الصيام ومستجداته المعاصرة»
(ص39): نقلنا ما ثبت عنهم في ذلك. فمنه ما في الموطأ عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر،
قال: سمعت أبي يقول: «كنا ننصرف في رمضان، فنستعجل الخدم بالطعام مخافة الفجر».
وكان التابعون
يقرؤون بالبقرة في ثماني ركعات في التراويح؛ ففي الموطأ عن مالك، عن داود بن الحصين،
أنه سمع الأعرج يقول: «وكان القارئ يقرأ سورة البقرة في ثماني ركعات، فإذا قام بها
في اثنتي عشرة ركعة رأى الناس أنه قد خفف». قال ابن عبد البر: «والأعرج أدرك جماعة
من الصحابة وكبار التابعين، وهذا هو العمل بالمدينة».
وقد صح في
الموطأ أن عمر بن الخطاب أمر أبي بن كعب وتميما الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة؛
قال: «كان القارئ يقرأ بالمئين، حتى كنا نعتمد على العصي من طول القيام، وما كنا ننصرف
إلا في فروع الفجر».
المقام الرابع: مقام التدبر
وهذا مقصود
كذلك؛ فقد قال تعالى: {كتابٌ أنزلناه إليك مباركٌ ليدَّبروا آياته وليتذكّر أولوا
الألباب} [سورة ص: 29]. وهذا المقام يمكن أن يجعله الشخص مع تلاوته في قيام الليل،
وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم القراءة مترسلا في قيامه، متعوذا مسبحا سائلا حسب الآيات،
فهذا مقام تلاوة وتدبر.
ويمكن أن
يجعل في رمضان للتدبر وقتا معينا، ربع ساعة أو عشر دقائق، ينظر في معاني الآيات وتفسيرها
ويتأمل في معانيها، ويستغرق بقية وقته للتلاوة والإكثار منها في شهر رمضان، وهو هدي
السلف المستمر.
وقد يأتي
الشخص الوسواس ليقنعه بأن يترك التلاوة ويتدبر في صفحة، فيخرج عليه رمضان ولم يكمل
جزءا، وهذا خطأ؛ فرمضان شهر القرآن وتلاوته، وليخصص كل منا لتدبره وقتا خاصا في رمضان
وغير رمضان، لا يزاحم الورد والتلاوة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة
تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.