البحث

التفاصيل

شهر رمضان شهر النصر والجهاد

الرابط المختصر :

شهر رمضان شهر النصر والجهاد

بقلم: د. دحّام إبراهيم الهسنياني

عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

 

نستقبل شهر رمضان المبارك ونتذكر كثير من المعارك الفاصلة التي حدثت في هذا الشهر، ونتذكر مواكب النصر والعز والتمكين فيه على مدار التاريخ، فشهر رمضان حافل بالنفحات الربانية والفتوحات الإسلامية والمعارك البطولية والفيوضات الإلهية، فكان شهر رمضان موسماً للجهاد في سبيل الله وإعلاء كلمته، وبذل الأرواح وإنفاق الأموال لنصرة دين الله والتقرب إلى الله تعالى بعبادة الجهاد التي هي ذروة سنام الإسلام.

ففي هذا الشهر المبارك حدث معركة بدر الكبرى في السابع عشر من رمضان في السنة الثانية من الهجرة، وهي من أعظم المعارك في تاريخ الإسلام بين الحق والباطل والهدى والظلال، وقد سماها الله سبحانه بيوم الفرقان، وقادها الرسول الكريم وكان جند هذه المعركة أفضل هذه الأمة من المهاجرين والأنصار، وكان عدد المجاهدين المسلمين بضعة عشر وثلاثمائة، وأما عدد الأعداء فكان أكثر من تسعمائة شخص، واستبان للمسلمين على مر التاريخ أن النصر مع العقيدة وليس مع الكثرة، وفي ذلك اليوم العظيم نزلت جند الله التي يؤيد بها عباده الصالحين، وتقطعت كل العلائق الدنيوية فقاتل الابن ابنه والأخ أخاه، ولم يبق إلاّ رباط العقيدة يربط بين المسلمين، وباع كثير من المسلمين روحه لله تعالى ليبض الثمن العظيم، نصر الله لهم في الدنيا وجنته في الآخرة، وقال لهم الرسول (سيروا على بركة الله، فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم).

وحصلت أمور عظام وأحداث جسام، وانتصر المسلمون انتصاراً عظيماً ساحقاً، وأصبحت كلمة الله هي العليا، وأذل الله المشركين وألقى الرعب في قلوبهم، وجعلهم صاغرين مدحورين.

وهكذا تتجلى هذه المعركة الخالدة عن فوز الإسلام، وتعلو العقيدة الخالدة، ويسود النظام، وتسمو القيم الإنسانية، ويهزم الباطل في حشده أمام اليقين وصدقه، ويعود المسلمون ـ المدافعون عن دينهم ـ إلى المدينة وفي غنائمهم أسارى، وما هم بأسارى، لحسن المعاملة ويسر الفداء، ومن كان في عسرة فميسرته تعليم عشرة من أبناء المسلمين، وتلك كانت يد من النبي الأمي في تيسير العلم وإشاعة التعليم.

وفي هذا الشهر الكريم كان فتح مكة، وهو الفتح الأعظم، والانتصار الكبير للحق، وإزهاق الباطل، وفيه كان عزة الإسلام والمسلمين، ودخول الناس في دين الله أفواجاً، وكان هذا الفتح في العشرين من شهر رمضان من السنة الثامنة من الهجرة.

وكان فتح مكة بناء صرح الإيمان والعقيدة، وأقبل الناس على دين الله يعتقدونه ويؤمنون به، ويدعون له ويدافعون عنه، ودخل النبي مكة المكرمة ظافراً منتصراً وهو يتلو قوله تعالى: (وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا)، وطهر الكعبة من دنس الوثنية والشرك ووقف الرسول على باب الكعبة وقال: (لا إله إلاّ الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده).

وكان من فرط شكر النبي صلى الله عليه وسلم لربه وشدة تواضعه أن طأطأ رأسه حتى لتكاد تمس جبهته الرحل، وضرب الرسول وأصحابه مثلاً عليا في العفو والتسامح، لا تكاد تعرف إلاّ في تاريخ الإسلام، حيث أصدر الرسول عفوه العام فقال لمن آذوه في نفسه وصحبه ودعوته: (ما تظنون أني فاعل بكم؟)، قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم، قال: (اذهبوا فأنتم الطلقاء، لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين).

ويفتح مكة ودخل الناس أفواجاً، حتى أضحت الجزيرة على قلب رجل واحد، وحقق الله لحبيبه محمد وعده، وأتم عليه نعمته، وهكذا دخل أهل مكة في الإسلام، وذهبت القوة التي تحمي الوثنية وتقاتل دونها، وكان ذلك إيذاناً بانتشار الإسلام في كل أرجاء الجزيرة، بل وفي كل بقاع الأرض، فلم يكد يمضي قرن من الزمان، حتى بسط الإسلام لوائه على أنحاء العالم، ونعم الأرض بدين العدل والرحمة والمساواة وأضحى الناس في أمن وسلام.

تلك جوانب من ذكريات الإسلام بالفتح المبين، كان فيها العز والتمكين والعفو والإحسان نذكرها في شهر البر والقرآن.

وفي شهر رمضان سنة ثلاث عشر للهجرة حدثت وقعة البويب، وذلك حينما مرض الصديق  مرض الموت في السنة الثالثة عشرة من الهجرة كان مطمئناً على ما حقق من فتوح وانتصارات، ومع ذلك استدعى خليفته الفاروق عمر وأوصاه وهو يجود بأنفاسه، أن إذا مت فلا تمسين حتى تندب الناس مع المثنى لفتح بلاد العراق.

ومات من يومه، فلما فرغ عمر من دفنه بدأ من فوره بتنفيذ الوصية، ونادى الناس لفتح العراق مع المثنى بن حارثة الشيباني.

واشتغل المسلمون بهذا الأمر فظلوا هكذا ثلاث ليال لما يعرفون من شدة قتال الفرس وعظيم باسهم، وهنا قام القائد المسلم المثنى بن حارثة فقال: (أيها الناس لا يعظمن عليكم هذا الوجه، فإنا قد فتحنا ريف فارس، وغلبناهم على شقي السواد، ونلنا منهم واجترأنا عليهم ولنا إن شاء الله ما بعدها).

وقام عمر بن الخطاب رضي الله عنه وتكلم مع المسلمين وذكّرهم بالله وعرفهم معنى الأمانة التي ألقيت على أعناقهم، وهو نشر دين الله عز وجل، وكان مما قال لهم: (.. سيروا في الأرض التي وعدكم الله أن يورثكموها فإنه قال: (ليظهره على الدين كله)، والله مظهر دينه، ومعز ناصره، ومولي أهله مواريث الأمم، أين عباد الله الصالحين؟).

أثرت هذه الكلمات الصادقة في جموع المسلمين فتسابقوا للإجابة، وسار الجيش الإسلامي على بركة الله إلى العراق، فكانت واقعة النمارق أول المعارك، وانتصر المسلمون على الفرس، ولكن لم يتم النصر الكامل، فأخذ عمر بن الخطاب يعد العدة وأمد المثنى بمدد كثير، حتى كثر جيش المثنى واستعد استعداداً حربياً لمعركة البويب وكان ذلك في شهر رمضان، وعزم المثنى على المسلمين أن يفطروا ليكون أقوى لهم، واشتد القتال بين المسلمين والفرس وكان نصر الله المؤزر لعباده، وانتصر المسلمون انتصاراً كبيراً في هذه المعركة وبلغ عدد قتلى الفرس عشرات الآلاف، وغنم المسلمون مغانم كثيرة والحمد لله.

وفي شهر رمضان المبارك كان فتح الأندلس، وبدأ التفكير في فتح الأندلس بعد أن أتم المسلمون فتح بلاد المغرب على يد القائد المسلم موسى بن نصير، فقد استطاع هذا القائد أن يدعم الوجود الإسلامي في المغرب الأقصى، كما أنه قام بدور كبير في تعليم الناس هذا الدين وتفقيقهم فيه، فكان يجمع إلى جانب القيادة العسكرية صفة الداعية المسلم.

وبهذا الفتح في بلاد المغرب دخل البربر في دين أفواجاً، وأصبحوا هم أيضاً من الدعاة له والجاهدين في سبيله، واتجهت أنظارهم إلى الشمال حيث جزيرة إيبيريا التي تمثل المدخل الجنوبي لأوربا.

ولم يكن والي أفريقيا موسى بن نصير ليقوم على عمل عظيم مثل هذا دون أذن الخليفة الوليد بن عبد الملك، وبعد أن جاءت الموافقة من خليفة المسلمين بإرسال سرية صغيرة إلى بلاد الأندلس لانهيار الأوضاع قبل إرسال الجيش الإسلامي، واستجاب القائد موسى لأمر الخليفة، واختار واحد من كبار رجاله لتنفيذ هذه المهمة وهو (طريف بن ملوك)، فعبر إلى الأندلس في أربعة مراكب بقوة عددها مائة فارس وأربعمائة راجل، وكان ذلك في شهر رمضان سنة 91 هـ فنجحت هذه السرية وعادوا بمغانم كثيرة وبعثوا بالأخبار إلى موسى بن نصير في القيروان، فتشجع عندئذ وأخذ يستعد لإرسال حملة كبيرة لفتح الأندلس، واختار موسى بن نصير لهذا العمل الجليل رجلاً من خيرة جنده هو (طارق بن زياد)، وتم عبور الجيش الإسلامي على مراحل حتى بلغ بهم عن طريق الساحل نهر الرباط.

وفي اليوم الثامن والعشرين من رمضان سنة 92هـ اشتبك الجيشان وثبت المسلمون في القتال، وفي اليوم التاسع من المعركة انهزم جيش (لذريق) وانتصر المسلمون انتصاراً كبيراً وأصابوا في هذه الوقعة غنائم لا تحصى.

وفي شهر رمضان سنة 658هـ وقعت معركة عين جالوت والتي انتصر فيها المسلمون نصراً مبيناً بقيادة السلطان قطز على الغزو التتري بقيادة كتبغا.

فبعد أن تسلم السلطان المظفر قطز الحكم حينما وصل المغول إلى الشام، كان أول شيء يصل إليه تهديد من طاغية المغول هولاكو يطالب بالتسليم والاستسلام، لئلاّ يلقى المصير نفسه الذي لقيه الحكام السابقون.

واستشار قومه ماذا يفعل؟ وكان رأي أغلب الأمراء يميل للمهادنة، إلاّ أن قطز كان لديه من العزة الإسلامية ما منعه من ذلك، وأصدر أمره بقتل رسل المغول والاستعداد للقتال، ونادى منادي الجهاد أن حي على الجهاد، وقام العلماء وعلى رأسهم العز بن عبد السلام يحثون الناس على الجهاد ويقدمون إرشاداتهم بكل إخلاص وأمانة.

وخطب قطز في الجموع الغفيرة من المسلمين وأثار حميتهم الإيمانية، وسار بجيشه من مصر إلى أن وصل إلى سهل قرب عين جالةت في شرق فلسطين، وكان الظاهر بيبرس قد سار في المقدمة، فالتقى بمقدمة جيش المغول فهزمهم شر هزيمة، فكانت بشرى للنصر العظيم.

وفي الساعة المحددة التحم الجيشان واستعرت نار الحرب واشتدت، وحمي وطيسها وابلى المجاهدين بلاءً حسناً في سبيل الله، وكان أميرهم يحمسهم ويصيح فيهم: واسلاماه.. واسلاماه، ويسبح الله ويدعوه ويتضرع إليه وهو صائم، واستجاب الله لهذا الدعاء وأنزل نصره على المؤمنين، وهزم المغول شر هزيمة ولأول مرة أمام المسلمين ووقعوا بين قتيل وأسير، وأسر قائدهم ثم قتل.

وكان قائد المسلمين قطز يتميز بالشجاعة وارادة القتال وتصميمه على محاربة التتار مهما كلفه ذلك، فليس أمامه إلاّ النصر أو الشهادة، وحين اطمئن إلى نصر الله عز وجل لم يأخذه الغرور، بل ترجل عن فرسه وسجد لله سبحانه على ما أولاه من نصر مبين، وحمد الله تعالى وأثنى عليه سبحانه ثناءً عاطراً.

وإن المسلم ليغض الطرف من نفسه حين يستعيد هذه الذكريات المجيدة التي مكنت المسلمين الأولين في الأرض، وبدلتهم من بعد خوفهم أمناً، ومن بعد ضعفهم قوة وعزة، وكانوا في قلة بعَددهم وعُددهم، وأعدائهم يفوقونهم في ذلك، ولو أن مليار ونصف المليار من المسلمين الذين يسكنون المعمورة اليوم، بضعة ملايين منهم على غرار أهل بدر والفتح وعين جالوت وغيرها لصنعوا تاريخ العالم كما يريدون، ولظهر الإسلام على الدين كله ولو كره اليهود والأمريكان، فهل يثوب المسلمون إلى الرشد، وهل يتخذون من هؤلاء وقادتهم قدوة حسنة، وهل تتحقق الآمال؟!.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.


: الأوسمة


المرفقات

التالي
سلسلة فوائد رمضانية: العبادات العقلية
السابق
أمير قطر يقيم مأدبة إفطار للعلماء والقضاة ومنتسبي التعليم بحضور علماء الاتحاد

مواضيع مرتبطة

البحث في الموقع

فروع الاتحاد


عرض الفروع