البحث

التفاصيل

سلسلة فوائد رمضانية: العبادات العقلية

الرابط المختصر :

سلسلة فوائد رمضانية: العبادات العقلية

بقلم: د. فهمي إسلام جيوانتو

عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

 

إن العبادة في الإسلام تشمل كل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة -كما قرره شيخ الإسلام رحمه الله.

فالإنسان يعبد الله بكل كيانه، بجسده ولسانه وعقله أيضا. لقد اعتاد الناس على تقسيم العبادات إلى فعلية وقولية، بناء على أنها إما أن يقوم الإنسان بجوارحه أو بلسانه، وغفل الناس عن العبادات المتعلقة بالعقل والفكر.

فالإنسان يعبد الله أيضا بفكره وعقله. بل العبادات العقلية والفكرية والعلمية من أعظم العبادات، بل هي أعظمها.

عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خَيْرُ دِينِكُمْ أَيْسَرُهُ ‌وَخَيْرُ ‌الْعِبَادَةِ ‌الْفِقْهُ» [أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله وفي سنده ضعف].

وقال ابن شهاب الزُّهري: "ما عُبِدَ اللهُ بمثل الفقه". [أخرجه الخطيب في الفقيه والمتفقه].

وقال معاذُ بن جبل: "عليكم بالعلم؛ فإنَّ طلبَه لله عبادة".

بل العبادة لا تصح إلا بصحة العقل، فإن فاقد العقل غير مكلف وعمله غير معتبر وقوله لا يؤخذ به.

فالعقل أساس التكليف، والقرآن يشجع على استعمال العقل ليصل بالإنسان إلى الإيمان والتقوى، ولفت القرآن إلى الآيات الكونية ليشغل العقل ويوجهه إلى قمة المعرفة الإنسانية، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ ‌يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 164].

وفي هذا السياق روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي بن أبي طالب: "إذا تقرب الناس ‌بأنواع ‌البر فتقرب أنت ‌بعقلك". [أخرجه أبو نعيم في الحلية وفي إسناده ضعف].

إن العبادات العقلية مجال واسع وميدان فسيح. فالعقل في الإسلام يأخذنا في دروب الخير من البداية إلى النهاية، في الأصول والفروع، وفي مصالح الدنيا والآخرة.

قال ابن القيم رحمه الله: "أصل الخير والشر من قِبَل التفكر. فإن الفكر مبدأ الإرادة والطلب في الزهد والترك والحب والبغض. وأنفع الفكر: الفكر في مصالح المعاد، وفي طرق اجتلابها، وفي دفع مفاسد المعاد، وفي طرق اجتنابها. فهذه أربعة أفكار هي أجل الأفكار. ويليها أربعة: فكر في مصالح الدنيا وطرق تحصيلها وفكر في مفاسد الدنيا وطرق الاحتراز منها. فعلى هذه الأقسام الثمانية دارت أفكار العقلاء." [الفوائد ص198-199].

والعبادات العقلية متنوعة متدرجة، بدءا من تثبيت الإيمان بالتفكر، مرورا بالتفقه في الدين، وصولا إلى التوصل إلى سبل تحقيق مصالح الدنيا والآخرة بعمارة الأرض وبناء الحضارة وتطوير العلوم.

وكانت بداية هذا الدين من العبادة العقلية حيث أنزل الله تعالى أول وحيه على نبيه عليه الصلاة والسلام قوله تعالى: ﴿‌اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 1-5].

فهذه كانت أول انطلاقة، فتتحرك عجلة التقدم العقلي ليصل إلى إنشاء حضارة عظيمة وتكوين أمة جليلة. ولا يقتصر النشاط العقلي في الإسلام على مجال الإيمان والتعبد المحض، بل توسع عطاء العقل الإسلامي إلى مجالات شتى، فاخترع العلماء المسلمون علوما كثيرة إضافة إلى العلوم الدينية، قد اخترع العلماء المسلمون ابتكارات علمية كثيرة في كل مجالات العلوم من الرياضيات والطب والهندسة والعمران البشري.

وقد حاول الأستاذ سليم الحسني جمع هذه الاختراعات الإسلامية في كتابه الرائع: "ألف اختراع واختراع" وأصل الكتاب باللغة الإنجليزية بعنوان: "1001 Inventions". ورغم ضخامة الكتاب وكثرة المعلومات التي فيه إلا أنه لم يحو كل المخترعات العلمية للمسلمين عبر تلك القرون المديدة.

ومن الجهود المضنية المشكورة في هذا المجال هو ما قام به العالم التركي الكبير الأستاذ فؤاد سزكين رحمه الله، فقد أمضى سنين طوالا لجمع وكشف هذه المخترعات الإسلامية، وقد ساعدته الحكومة التركية لبناء المتحف في إبراز هذه المخترعات، فجعلته في قلب إسطنبول في منطقة سلطان أحمد.

ومع ذلك فإن الإشادة بتلك المنجزات ليست بكافية لإعادتنا إلى موقعنا الصحيح، فإن على المسلمين واجبا كبيرا في هذه العبادات العقلية، فإن البشرية بحاجة إلى نهضة إسلامية حضارية تقوم بإصلاح ما أفسدته الحضارة الملحدة الفاسقة.

وعلى المسلمين أن يخوضوا غمار السباق العلمي والمعترك الفكري من أجل تقديم نموذج حضاري يخرج العالم من الظلمات إلى النور. والله ولي التوفيق.

اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما يا رب العالمين، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر.

 

ــــــــــــــــــــــ

* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

* دكتور فهمي إسلام: عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، ومدير قسم استشراف المستقبل.


: الأوسمة


المرفقات

التالي
إسطنبول تطلق 100 دورة لتحفيظ القرآن الكريم: مشروع لدعم الطفولة المبكرة
السابق
شهر رمضان شهر النصر والجهاد

مواضيع مرتبطة

البحث في الموقع

فروع الاتحاد


عرض الفروع