البحث

التفاصيل

في فقه التعامل مع الاستفزاز

الرابط المختصر :

في فقه التعامل مع الاستفزاز

(سلسلة فوائد رمضانية)

بقلم: د. فهمي إسلام جيوانتو

عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

 

من الأسرار اللطيفة في القرآن الكريم أن كل سورة من سور القرآن لها كلمة أو كلمات خاصة بها لا توجد في غيرها. كسورة الكوثر مثلا اختصت بكلمة الكوثر، فلم توجد هذه الكلمة إلا في هذه السورة، وكسورة الإخلاص اختصت بكلمة "الصمد" و"كفوا" و"لم يلد ولم يولد" فهذه الكلمات لم ترد في القرآن إلا في هذه السورة. وهكذا في كل سور القرآن.

ومما اختصت به سورة الإسراء: ورود كلمة "استفزّ" بصيغة الأمر والمضارع، فلم ترد هذه الكلمة في القرآن إلا في هذه السورة. وردت ثلاث مرات، الأولى في قوله تعالى: ﴿‌وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الإسراء: 64]،

والثانية في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا ‌لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 76]،

والثالثة في قوله تعالى: ﴿فَأَرَادَ أَنْ ‌يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا﴾ [الإسراء: 103].

واستفز الشيءَ أي هيّجه وأزعجه واستخفه.

ففي الآية الأولى تحدث القرآن عن أساليب إبليس لإضلال بني آدم باستفزازهم بصوت إبليس.

قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: {واستفزز من استطعت منهم بصوتك} قيل: هو الغناء.

قال مجاهد: باللهو والغناء، أي: استخفهم بذلك. وقال ابن عباس في قوله: {واستفزز من استطعت منهم بصوتك} قال: كل داع دعا إلى معصية الله، عز وجل، وقاله قتادة، واختاره ابن جرير.

وفي الآية الثانية تحدث القرآن عن محاولة الكفار لاستفزاز الرسول -صلى الله عليه وسلم- حتى يخرج من مكة. قال ابن كثير إن الآية نزلت في كفار قريش، هموا بإخراج الرسول من بين أظهرهم، فتوعدهم الله بهذه الآية، وأنهم لو أخرجوه لما لبثوا بعده بمكة إلا يسيرا. وكذلك وقع. فإنه لم يكن بعد هجرته من بين أظهرهم، بعد ما اشتد أذاهم له، إلا سنة ونصف. حتى جمعهم الله وإياه ببدر على غير ميعاد، فأمكنه منهم وسلطه عليهم وأظفره بهم.

وأما الآية الثالثة فتحدثت عن محاولة فرعون لاستفزاز موسى لكي يخرج من أرض مصر فعاقبه الله وجنودَه بالغرق جميعا.

وفي تلك الآيات الثلاث جاء فعل الاستفزاز من أعداء الله، سواء من إبليس أو من الكفار قديما وحديثا. والاستفزاز طريقة لدفع الإنسان إلى فعل أراده المستفِزّ لغرض قصده هو، وغالبا ليس ذلك في مصلحة المستفَزّ، فهو نوع من المكر والخداع.

ففي هذا تنبيه للمؤمنين أن يكونوا واعين، ولا يخضعوا لتأثير تصرفات أو أقوال الأعداء. فالمؤمن ينبغي أن يكون كيسا فطنا، لا يخرج عن طريقه المرسوم بسبب إثارة أو إغراء أو استفزاز من الغير.

وعلى المؤمن أن يكون له رؤية واضحة وفهم كامل بطبيعة الطريق الذي يسلكه، فأمامه شيطان يغريه أو مخادع يغويه أو مغرض يرديه.

ومن الخطر أن يتصرف المؤمن لمجرد ردود أفعال لأوضاع طارئة لا يستعد لها ولا يفكر في مآلاتها.

ومن القواعد المهمة في علم الاستراتيجيات ألا يقدم الإنسان على حرب ليس هو من يحددها، بل مجرد استجابة لاستفزاز العدو.

فهذا من أخطر الأمور. فهذه الآيات تعليم خطير في أن يحرص الإنسان على الإمساك بزمام المبادرة ولا يكون متورطا بسبب استفزاز من لا يريد له خيرا.

اللهم جنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم إنا نعوذ بك من همزات الشياطين ونعوذ بك أن يحضرون..

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.


: الأوسمة


المرفقات

التالي
جمعية العلماء المسلمين الجزائريين تدين التصعيد الإقليمي وتدعو إلى الوحدة لمواجهة التحديات
السابق
ضبط الخطاب في زمن الاستقطاب: رؤية شرعية للحرب على إيران

مواضيع مرتبطة

البحث في الموقع

فروع الاتحاد


عرض الفروع