فقه الميزان في زمن
الاضطراب
(سلسلة فوائد رمضانية)
بقلم: د. فهمي
إسلام جيوانتو
عضو الاتحاد
العالمي لعلماء المسلمين
من الكلمات النورانية التي أنطقها
الله على لسان العلماء قول الإمام الشافعي: "ليست تنزل بأحد من أهل دين الله
نازلة إلا ّ وفي كتاب الله دليل على سبيل الهدى فيها." [الرسالة ص20].
وفي زمن الاضطراب والفوضى التي
نعيشها اليوم لم يغب هدي القرآن عن الإضاءة في طريق المؤمن المستبصر بكتاب الله.
فقد قال الله تعالى في مثل هذا السياق: ﴿لَقَدْ
أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ
وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ
بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ
وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحديد: 25].
لقد ألف العلامة فضيلة الشيخ
الأستاذ الدكتور علي محيي الدين القره داغي رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
كتابا قيما متفردا بعنوان "فقه الميزان" مستلهما من تلك الآية، فكان
فتحا علميا كبيرا، وخاصة في معرفة الرأي المعتدل في القضايا الشائكة التي تضطرب
فيها الآراء وتختلف الفهوم للنصوص الواردة على المسائل المفصلية التي تمر بهذه
الأمة.
لقد انتبه شيخنا أن الله لم ينزل
على عباده الكتاب فقط، بل أنزل معه "الميزان". فقد استدل مختلفون بكتاب
الله، ويبقون مختلفين، مع أنهم كلهم يرجعون إلى كتاب الله!! فلو استحضروا الميزان
وراعوا الأوزان واستخدموا الموازين الصحيحة، لاهتدوا إلى القول المتزن غير
المتضارب في تلك المسائل. وهذا علم مستقل قائم على أركانه وعناصره، نحث المسلمين
على تعلم هذا العلم.
لا نستطيع أن نفصّل فقه الميزان
في كلمات قصيرة، فهذا الموضوع يستحق البسط والتركيز والتأني. ولكني أكتفي هنا
بالإشارة إلى أهمية الميزان والتوازن ومراعاة الأوزان في كل شيء، لنتجنب الظلم
وبخس الحقوق وتجاوز الحدود. فالحق والعدل ونظام الكون كلها مبنية على الميزان، قال
تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ
(٧) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (٨) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ
وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن: 7-9].
ومن مقتضيات فقه الميزان أن نعرف
أن كل شيء له وزنه الذي وضع الله له، فالثقيل والخفيف كلامها له وزن لا بد أن
نراعيه، فلا نلغي الخفيف تفضيلا وتغليبا للثقيل، ولا نبالغ في تقدير الثقيل فنقع
في ظلم الخفيف. ولا نبخس الوزن أيضا فتضيع الموازين القسط.
وفي تضارب الآراء حول هذه الحرب
التي شنت في أرضنا بغير إرادتنا ولا بناء على مصلحتنا، فكثير من الآراء خرجت
متطرفة غير متوازنة، تغلّب وجها على آخر، ومُلغية بعض الحقائق تغليبا لحقائق تتمسك
بها ولا ترى غيرها.
ولا يكون الميزان إلا بوضع
الأشياء المتقابلة في كفتي الميزان، فقد تكون الكفتان متعادلتين، وقد تكون أحداهما
أرجح من الأخرى، ولكن المرجوحة لها وزن لا يصح تجاهله. فالعدل مطلوب، والإنصاف
ضروري. وخاصة إذا تكلمنا عن أرواح ملايين البشر ومصائرهم ومصالحهم. وخاصة أن الظلم
يأخذ أشكالا متعددة ويلتبس خطاب الحق بشبهات من الباطل. فنحن بحاجة إلى عقلية
الجرّاح التي تستخرج الورم دون أن تفسد الجسد.
إن جسد الأمة ممزق، فلا نزيده
تمزقا بخطاب متشنج غير متوازن. وإننا بحاجة إلى خطاب يصلح ولا يفسد، ويوحد ولا
يفرق، وينتصر للمظلوم ولا يعين الظالم، ولا يفتح للمظلومية أن تكون ذريعة لظلم آخر.
هدانا الله وإياكم لما يحب ويرضى،
اللهم أصلح أمة نبيك وحبيبك محمد صلى الله عليه وسلم، اللهم ردّنا إلى دينك ردا
جميلا، اللهم أنر بصائرنا، واهد قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واجمع كلمتنا، وثبت
أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة
تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.