مرضٌ عضالٌ سَرَى في جَسدِ الأُمَّةِ
كتبه: موفَّق شيخ إبراهيم
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
الحمد
لله الحميد بذاته، المنعم علينا بنعمتي الإيجاد والإمداد، والصلاة والسلام على
المربي الأول، أشرف راكب نزل البيداء، وآخر من سمعت أذناه خبر السماء، وبعد: فقد تحدث
القرآن الكريم، عن أمراض بني إسرائيل، لأخذ الدروس منها، وابتغاء الحذر من الوقوع
في شباكها، ولا حرج أن أكتب عن مرض هو بمثابة السرطان في الجسد، قد تمكَّن من بعض
مَنْ يُشارُ إليهم بالبنان، أنهم من خيار الخلق.
إنه
مرض الخلاف! وكثيراً ما نخوض معارك ضدَّ بعضنا، بلا مسوِّغ شرعي معتبر! معارك
وهمية أو مفتعلة في غير معترك، ولعل من أهم أسبابها الانحدار في الخط البياني
للمنظومة الإيمانية في جنبات نفوسنا، كما أننا لا نعرف بعضنا، ولا نتواصل فيما
بيننا على الوجه الذي ينبغي، مما جعلنا رهائن مواقف مضت، وقعنا أسارى في حبالها؛
فأحاطت بنا إحاطة السوار بالمعصم! رغم تغير السياقات والمعطيات والأفكار، فنبذنا
المشترك الجامع نبذ النواة، وتشبثنا بأسباب الفرقة والتشرذم. لم يعد لنا أولويات،
وأهملنا السعي للتفاهم والتواصل، لأن من دواعي ذلك، التنازل عن حظوظ النفس
الأمَّارة بالسوء، والمعصوم من عصمه الله!
في
سياق الإشارة إلى فقه الأولويات، فإنه لا يخفى على من تمكَّن من فهم هذا الدين،
فهماً صحيحاً، أنَّ التمسُّك بالنصِّ القطعيِّ أولى من الحرص على وحدة الأمة،
ومثالُهُ: إنفاذ أبو بكر رضي الله عنه، جيش أسامة رغم وجود وجهات نظر أخرى لبعض
الصحابة، وكانت حجَّتُه رضي الله عنه، تتمثَّل في قوله: "ما كنت لأحلَّ عقداً،
عقَدَه رسول الله صلى الله عليه وسلم!". والتمسُّك بوحدة الأمَّة وسلامتها من
الفتن، أولى من التمسك بالرأي الاجتهاديِّ، مهما بدا هذا الأخير قوياً، ومثاله
عندما صلَّى عثمان رضي الله عنه، بمِنى بالناس أربعاً، استرجع عبد الله بن مسعود رضي
الله عنه، ثمَّ قال: صليَّت مع رسول الله بمنى ركعتين، وصليت مع أبي بكر بمنى
ركعتين، وصليت مع عمر بمنى ركعتين، فليت حظِّي ركعتان متقبَّلتان. رواه البخاريُّ،
وزاد أبو داود - كما في الفتح - فقيل لعبد الله: عبْتَ عثمان ثم صليَّت أربعاً؟!
فقال: الخلاف شرٌّ!
ويؤيِّد
هذا، موقف هارون من سؤال أخيه موسى عليهما السلام: ﴿قَالَ
يَاهَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلَّا تَتَّبِعَنِ
أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي * قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا
بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ
وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه: 92 - 94].
وكذا
حديث: "لولا حدَثَان قومك بالشرك لهدمت البيت، ولبنيته على قواعد إبراهيم،
فألصقته بالأرض، وجعلت له بابين: شرقياً، وغربياً".
ثم
إن بين يدي الاستقلالية التامَّة للمرء المسلم، واتخاذ الفردانية مسلكاً، والنأي
عن الشورى التي تورث الرأي منعَة وقوة، وفي حالة التنكر أو التجاهل للعمل
المؤسَّسي، قد يرِد الإنسان موارد الضعف، وإن لم يتدارك المخاطر التي قد تحيط به،
فسيصل لا محالة للهلاك المحقَّق! وبالتالي سيبحث عن حظوظ النفس، ويسعى وراء السراب
الذي يظنُّه مكسباً! ومن أهم علامات الهلاك، اللهاث خلف الشهرة، وحبِّ اجتماع
الناس حوله. مما يولِّد غروراً قاتلاً، ويمهد السبيل لأسباب النفاق، ويصبح همَّه
البحث عن الجاه؛ وقيام المنزلة في قلوب الناس. والله تعالى لا يقبل المسير إليه؛
إلا بقلب سليم، خالص من كل شائبة.
في
هذه الحال لا يقبل نصحاً، ولو طعِن في غيره من الصلحاء من أقرانه، أمامه، فإنه لا
يغضب، بل ربما تأخذه نشوة وغبطة! ولو كان غرضه صلاح الخلق؛ لأحبَّ صلاحهم على يد
غيره، ممن هو مثله أو فوقه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما ذئبان
ضاريان أرسلا في زريبة غنم، بأسرع إفساداً من حب الشرف والمال، في دين الرجل
المسلم".
أي أن الحرص على المال والجاه أكثر إفساداً، من إفساد الذئبين للغنم. ومَنْ هذا
حاله، سيجد نفسه في ساحة الاختلاف مع الآخرين!
هذا
وقد بيّن الإمام ابن تيمية رحمه الله، خطر الانطلاق من الدوافع النفسيَّة، وحذَّر
منه فقال: ".. وهذا الاختلاف المَذموم من الطرفين يكون سببه تارة فساد النيَّة؛
لمَا في النفوس من البغي والحسد، وإرادة العلو في الأرض ونحو ذلك، فيحبُّ لذلك ذمَّ
قول غيره، أو فعله، أو غلبته ليتميَّز عليه، أو يحبُّ قول من يوافقه في نسب، أو مذهب،
أو بلد، أو صداقة، ونحو ذلك، لمَا في قيام قوله من حصول الشرف والرئاسة. وما أكثر
هذا من بني آدم! وهذا ظلم! ويكون سببه تارة جهل المُختلفين بحقيقة الأمر الذي
يتنازعان فيه، أو الجهل بالدليل الذي يرشد به أحدهما الآخر، أو جهل أحدهما بما مع
الآخر من الحقِّ في الحكم، أو في الدليل، وإن كان عالماً بما مع نفسه من الحقِّ
حكماً ودليلاً. والجهل والظلم، هما أصل كلِّ شرِّ، كما قال سبحانه: ﴿وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً﴾
[الأحزاب:72]".
والأصل
في أهل الإخلاص والأمناء على دين الله، أنهم مادة الدعوة إليه سبحانه، عرفوا
أهدافها وتشربوا منهاجها، وبذلوا في سبيلها الغالي والرخيص، وما برحوا يدافعون عن
إخوانهم ويتغاضون عن هفواتهم، وليسوا ممن يحفرون الأخطاء على النحاس! بل يكتبونها
على وجه الماء. "جاء رجل حجَّ البيت فرأى قوماً جلوساً، فقال: مَنْ هؤلاء
القعود؟ قالوا: هؤلاء قريش. قال من الشيخ؟ قالوا: ابن عمر، فأتاه فقال: إني سائلك
عن شيء أتحدثني؟ قال: أنشدك بحرمة هذا البيت، أتعلم أن عثمان بن عفان، فرَّ يوم
أحد؟ قال: نعم. قال: فتعلمُهُ تغيَّب عن بدر فلم يشهدها؟ قال: نعم. قال: فتعلم أنه
تخلَّف عن بيعة الرضوان، فلم يشهدها؟ قال: نعم. قال فكبَّر! قال ابن عمر: تعال
لأخبرك، ولأبين لك عما سألتني عنه. أما فراره يوم أحد، فأشهد أن الله عفا عنه.
وأما تغيُّبه عن بدر، فإنه كان تحته بنت رسول الله وكانت مريضة، فقال له النبي صلى
الله عليه وسلم: إن لك أجر رجل ممن شهد بدراً وسهمه. وأما تغيُّبه عن بيعة الرضوان،
فإنه لو كان أحد أعزَّ ببطن مكة من عثمان بن عفان لبعثه مكانه، فبعث عثمان، وكانت
بيعة الرضوان بعدما ذهب عثمان إلى مكة، فقال النبي بيده اليمنى: هذه يد عثمان،
فضرب بها على يده، فقال: هذه لعثمان! اذهب بهذا الآن معك".
ومن
جهة أخرى فقد رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد، إلى رأي الأغلبية مع
أنه كان خلاف رأيه، لكنه مع ذلك عمل بكل ما يملك على إنجاح قرار المؤسسة، الذي كان
خلاف رأيه، ثم أثبت الواقع أن رأيه صلى الله عليه وسلم هو الصواب، لكن كل ذلك لم
يكن داعياً للتقوقع حول الذات، أو لإحداث شرخٍ في الصف!
ولا
يخفى أن حالة رمي السهام على الآخرين، تمتد جذورها إلى قرونٍ خلَت، ومن أوائل من
أشار إليها سيدنا أبو هريرة رضي الله عنه، فوقف ناصحاً لأولئك الذين سعوا سعياً
حثيثاً، للتفتيش
عن صغائر إخوانهم، فقال: "يُبصرُ أحدُكم القذاةَ في عين أخيه، وينسى الجِذلَ
ـ أو الجذعَ ـ في عين نفسه!". قال أبو عبيد: "الجذل
الخشبة العالية الكبيرة". إلا أن هذا لا يجعلنا نتخذ منه متكأ، نسوِّغ
لأنفسنا التساهل في الوقوع فيه. ومن
جميل ما نبهنا إليه الإمام الذهبي، قوله: "كلام الأقران إذا تبرهن لنا أنه
بهوى وعصبية، لا يُلتفَت إليه، بل يُطوى ولا يُروى".
ومما
ينبغي التأكيد عليه، أنه حین تنزل الأزمات بالمسلمين؛ من كل حدَب وصوب، كما هو
الواقع اليوم، فالوقت وقت تضافر للجهود والتئام للصفوف، ومواساة للمنكوب، لا وقت
تقییم وتوصيف بارد. والرجوع عن موقف ما، في حال تبين تهافته ليس ضعفاً، فهذا عمر
بن الخطاب رضي الله عنه، قد مرَّ يوماً بالمسجد، فإذا حسَّان بن ثابت يُنشِدُ فيه
شِعراً، فانتهره عمر لا تحريماً للشعر، ولا انتقاصاً من قيمة الشعراء، وإنما كان
نهيه إعلاءً لقيمة المسجد، وتنزيهه أن لا يُقال فيه إلا الذي له صلة بالوحي
الرباني. ولكنَّ حسَّان قال له: يا أمير المؤمنين كنتُ أُنشِدُ في المسجد شِعراً،
وفيه من هو خير منك! ثم التفتَ إلى أبي هريرة، وقال له: يا أبا هُريرة أما سمعتَ
رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول لي: يا حسَّان أَجِبْ عني، اللهمَّ أيِّده
بروح القُدُس؟! فقال أبو هريرة: نعم. فمضى عمر وتركه.
وختاماً
فليس من نافلة القول، أن أشير إلى أن التنازع مآل لاختلاف الآراء، وهو أمر يكاد أن
يكون متأصلاً في الطبيعة البشرية، ومن هنا بسط القرآن القول فيه، ببيان آثاره
المشينة، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا
فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: 46]. جاء بالتفريع بالفاء في
قوله: ﴿فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ فحذرهم
من أثرين ماحقين، هما الفشل وذهاب الريح. نربأ بأنفسنا أن نِقع فيهما؛ ونعوذ بالله
من أن يصيبنا غبارُهُما، إنه سبحانه خير مأمول؛ وآخر دعوانا أنِ الحمد لله ربِّ
العالمين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*
ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي
الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
أخرجه
البخاري "8/2170"، حديث "4484"، ومسلم "2/969".
التجريد
الصريح لأحاديث الجامع الصحيح، للزبيدي، (صــ: 432).
ينظر صحيح
البخاري (رقم 453). وصحيح مسلم (رقم 248).