البحث

التفاصيل

لا إله إلا الله وعلم الصلة به (1/2)

الرابط المختصر :

لا إله إلا الله وعلم الصلة به (1/2)

كتبه: التهامي مجوري

عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

 

هي الكلمة الأولى التي ينتقل بها الإنسان من ساحات العقائد الضالة إلى عقيدة التوحيد التي جاء بها جميع الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، ولذلك اعتبرها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم مفتاح الجنة، فعن أبي ذر: "ما من عبد قال: لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك، إلا دخل الجنة». قلتُ: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق، (ثلاث مرات)، ثم قال في الرابعة: على رَغْمِ أنفِ أبي ذر" [أخرجه البخاري ومسلم].

وقد استغرب بعضهم من هذا التقرير النبوي، من دخول المرء الجنة لمجرد قوله "لا إله إلا الله"، غفلةً منهم عن مركزيتها ومستوى موقعها في تحديد العلاقة بالله وثقل ميزانها في هذه العلاقة، وقد شهد الله على ذلك بقوله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا) [النساء: 48].

ولتبسيط الفكرة أكثر، يمكن الاستعانة بشخص من عالمنا الإسلامي المغبون يطلب الجنسية في بلد ما من البلاد المتقدمة التي تتربع على قدر عالٍ من الضمانات الاجتماعية، وبمجرد حصوله على الجنسية يتحول إلى مواطن كامل الحقوق، ويستفيد من فضائل تلك البلد الكثير مما كان محرومًا منه في بلده الأصلي... ألا يمكن التساؤل: لِمَ كان ذلك؟ وكذلك الأمر هنا، ولله ولدينه المثل الأعلى...

وقد وردت الكثير من الأحاديث في الباب، منها المشروط بأفعال معينة وبألفاظ معينة، ومنها التفريق بين كلمة التوحيد هذه وغيرها من الأعمال يوم الحساب، حيث يحاسب المؤمن على جميع ما اقترف من معاصٍ أو أخطاء ارتكبها، ثم يخرج من النار فيُدخل الجنة بفضل شهادته "لا إله إلا الله".

وذلك لموقعها من إيمان المؤمن وإسلامه، فمجرد التلفظ بها ينقل الإنسان من دائرة الكفر إلى دائرة الإيمان، ويترتب عن ذلك الكثير من مقتضياتها التي تقررها هذه العقيدة، المعبرة عن التعاقد مع الله، بأنه لا إله غيره، يخلق ويرزق ويحيي ويميت، وهو الله المستحق للعبادة والشكر والحمد والثناء المطلق، وهو المقرر لكل شيء، سواء فيما يتعلق بما لنا وما علينا في هذه الحياة الدنيا، أو فيما يخص مصيرنا الأخروي... وكل من لا يتلفظ بها لا يعد من المؤمنين، ويعد كافرًا مهما صدر منه من فضائل وأفعال الخير التي خدم بها البشر، لمجرد أنه لم يتلفظ بهذه الكلمة الجامعة المانعة: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ ۗ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ) [النور: 39].

صحيح أن هذه الكلمة خفيفة على اللسان وسهلة على كل من ينطق بها، ولكن لها من الوزن ما ليس لغيرها من الألفاظ، فهي شهادة يتلفظ بها المؤمن على اختيار منه كحقيقة واقعة ولازمة، وقد شهدت بها جميع المخلوقات واستسلمت لمقرراتها طوعًا وكرهًا: (أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) [آل عمران: 83]، ثم إن كلمة التوحيد هذه تمثل أصل العبودية لله وحده و"شرط الركن الأول في العقيدة الإسلامية المتمثلة في شهادة لا إله إلا الله، والتلقي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في كيفية هذه العبودية هو شرطها الثاني، المتمثل في شهادة أن محمدًا رسول الله".

والقلب المؤمن المسلم هو الذي تتمثل فيه هذه القاعدة بشرطيها، لأن كل ما بعدها من مقومات الإيمان وأركان الإسلام إنما هو مقتضى لها، فالإيمان بملائكة الله وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، وكذلك الصلاة والزكاة والصيام والحج، ثم الحدود والتعازير والحِلّ والحُرمة والمعاملات والتشريعات والتوجيهات الإسلامية... إنما تقوم كلها على قاعدة العبودية لله وحده، كما أن المرجع فيها كلها هو ما بلّغه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه" [سيد قطب، معالم في الطريق، ص 83].

لقد خصص الله لهذه الكلمة وأهميتها سورة من قصار سور القرآن، ولكنها بثقلها وأهميتها تعدل ثلث القرآن كما قال العلماء، وهي سورة الإخلاص: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ) [الإخلاص: 1–4]، التي تمثل الرد الحاسم على جميع الأوهام والمعتقدات الباطلة التي تبنتها الكثير من المجتمعات والمدارس الفكرية عبر التاريخ.

لقد عرف العالم الكثير من هذه المدارس، منها المؤمن بالوجود الإلهي يشرك به، أو يفصله عن العالم وعن التأثير فيه، ومنها من يفرق بين إله الخير وإله الشر، ومنهم من لا يعتقد بالوجود الإلهي أصلًا... لكل هؤلاء ولغيرهم، كانت كلمة التوحيد الحد الفاصل بين حقيقة الوجود الإلهي وإطلاقيته التامة، ونسبية الفعل البشري مهما علا وظن أنه يمثل شيئًا في هذا الوجود! فأحدية الله وصمديته واستغناءه عن الوالد والولد، هي جوهر كلمة التوحيد، التي تثبت أن استقامة الحياة لن تكون إلا بحبل من الله والتسليم له فيما قرر وعدم منازعته في قوله وفعله وقدره، ذلك هو المراد من عبارة لا إله إلا الله.

وقوة هذه الكلمة ليست في مجرد التلفظ بها، فهي بسيطة في النطق بها وفي عباراتها القصيرة؛ بل لا تكاد تساوي شيئًا مقارنة بما على المؤمن من واجبات تعبدية وعملية وسلوكات ومقررات معلومة، وإنما فيما ينبني عليها من مقتضيات، أقلها تحول الإنسان بمجرد التلفظ بها من معسكر استولى عليه الشيطان وأعوانه إلى معسكر آخر مختلف تمامًا، تحرر في طبيعة ومضامين وهيمنة هذا الوجود المادي لهذه الحياة الفانية، وأوكل مصيره لزعامة أنبياء الله ورسله، بتكليف من الله، ولذلك كانت هذه الكلمة متبوعة بشهادة ثانية، هي الشهادة بأن محمدًا رسول الله الذي جاء مكمّلًا لنبوات الأنبياء ورسالات الرسل: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ۚ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) [البقرة: 285].

فلا إله إلا الله: نفي وإثبات، نفي لجميع الذوات والقوى وتأثيراتها في الوجود كله، وحصر ذلك في إثباته لله سبحانه وتعالى، إذ إن الوجود الحقيقي والمعتبر هو الوجود الإلهي، وما عداه مستمد من وجوده سبحانه: "كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، ثم خلق السماوات والأرض، وكتب في الذكر كل شيء" [أخرجه البخاري، عن عمران بن حصين]. فالنفي نفي للذوات القاهرة وللأفعال المؤثرة تأثيرًا حقيقيًا، وليس نفيًا للذوات التي خلقها الله وخصها بالاستقلال وبالتأثير النسبي المؤطر بما كتب في الذكر وما كان وما سيكون إلى يوم القيامة، أما الإثبات فإثباتٌ لذات الله وصفاته وقوله وفعله سبحانه، الذي ليس كمثله ذاتٌ ولا قولٌ ولا فعلٌ.

فالله ليس كمثله شيء: (فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا ۖ يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ۚ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [الشورى: 11].

متفرد في أسمائه وصفاته: "إن لله تسعةً وتسعين اسمًا، من حفظها دخل الجنة، والله وتر يحب الوتر"، وفي رواية: "من أحصاها"، [أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه].

لا شك أن الوجود المشاهد والذي عاشه البشر في طول التاريخ وعرضه يتمثل في ثلاثة: الوجود الإلهي، والوجود الكوني، والوجود البشري.

أما الوجود الإلهي فهو الوجود الحقيقي الذي تستمد الحياة بكل ما بها وما فيها كيانها وبقاءها واستمرارها، أما الوجود الكوني فيتمثل في جميع المخلوقات التي سخرها الله للإنسان: (وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) [الجاثية: 13]. أما الوجود البشري فهو وجود مميز عن سائر المخلوقات الأخرى، من حيث إن الإنسان خُلِق وعلى عاتقه مهمة الاستخلاف، فكان في مرتبة دون الإله وفوق سائر الكائنات: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) [الإسراء: 70]، ولذلك كان الإنسان في موقع وسط بين الله ومخلوقاته، فهو مكلف من قبل الله، وما دون الله مسخر له في إطار مهمته الاستخلافية، ففضله الله وكرمه وأودع فيه من فيوضات صفاته سبحانه من حياة وعلم وقدرة وإرادة...، وأخضع له سائر مخلوقاته ليقوم فيها بالواجب الذي ألقاه الله على عاتقه: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) [الحديد: 25].

يتبع..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.


: الأوسمة


المرفقات

التالي
بغداد.. المجمع الفقهي العراقي يقيم الملتقى الطلابي الرمضاني الرابع
السابق
فتوى بوجوب وقف القتال في شهر رمضان المبارك بين باكستان وأفغانستان

مواضيع مرتبطة

البحث في الموقع

فروع الاتحاد


عرض الفروع