الحديد في القرآن
(سلسلة فوائد رمضانية)
بقلم: د.
فهمي إسلام جيوانتو
عضو الاتحاد العالمي
لعلماء المسلمين
من الأمور التي لها دلالة مهمة في
هذا الدين: حديث القرآن عن الحديد. فقد ذكر القرآن هذا المعدن المتميز 5 مرات، ثلاث
مرات معرّفا ومرتين منكَّرا، وذكر مرة لفظ "حديد" ليس بمعنى المعدن المعروف،
بل بمعنى حدة الإبصار وهو قوله: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ
مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق:
22].
أما ذكر الحديد منكرا ففي قوله تعالى:
﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾ [الإسراء:
50] وقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾
[الحج: 21] وكلاهما وردا في سياق العذاب يوم القيامة.
وأما ذكره معرَّفا فقد ورد في قصة
داود وذي القرنين وسورة الحديد. واللافت للنظر أن القرآن جعل الحديد اسما بارزا لإحدى
سوره: "سورة الحديد"، وذكر فيها مكانة عظمية ووظيفة مهمة للحديد. قال تعالى:
﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا
مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ
فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ
وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحديد: 25].
فقد ذكر الله في هذه الآية ثلاث أدوات
أساسية في إقامة العدل ونصرة الدين، وهي: الكتاب والميزان والحديد. فبهذه الثلاثة يقوم
العدل وينصر الدين.
قال الإمام البغوي عن هذه الآية: فقال:
أرسلنا رسلنا وأنزلنا معهم هذه الأشياء ليتعامل الناس بالحق والعدل وليعلم الله وليرى
الله من ينصره أي: دينه ورسله بالغيب أي: قام بنصرة الدين. [معالم التنزيل: 5/33].
وقال الطبري رحمه الله: "وأنزلنا
لهم الحديد فيه بأس شديد" يقول: فيه قوّة شديدة، "ومنافع للناس" وذلك
ما ينتفعون به منه عند لقائهم العدوّ، وغير ذلك من منافعه. [جامع البيان: 23/201].
وقد توسع الإمام فخر الدين الرازي
في بيان فوائد هذه الثلاثية (الكتاب والميزان والحديد) وبين تكامل هذه الأمور في حمل
الناس على الحق والعدل، يحسن الرجوع إليه.
أما الموضعان الآخران في ذكر الحديد
في القرآن فعن قصة داود عليه السلام إذ قال الله فيه: ﴿وَلَقَدْ
آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا: يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ، وَأَلَنَّا
لَهُ الْحَدِيدَ﴾ [سبأ: 10].
وورد في قصة ذي القرنين، قال تعالى
على لسان ذي القرنين: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى
إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ
آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ [الكهف: 96].
فهاتان القصتان تعبران عن استخدام
الحديد في إحدى وظائفه وهي استخدامه في تكوين الأداة الدفاعية. إذ استخدم نبي الله
داود الحديد لصناعة الدروع. وأما ذو القرنين فاستخدم الحديد لبناء السد العظيم الذي
يصد الأعداء عن العدوان.
والملاحظ في كلتا القصتين أن نبي الله
داود وذا القرنين استخدما الحديد بطريقة متطورة ليست تقليدية.
أما داود عليه السلام فقد صنع من الحديد
دروعا على شكل حِلَق مترابطة بدل صفائح كبيرة كما كانت مألوفة قبل داود. قال تعالى:
﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا
صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [سبأ: 11].
قال قتادة: وهو [أي داود عليه السلام]
أول من عملها من الحِلَق، وإنما كانت قبل ذلك صفائح. [تفسير ابن كثير: 6/497].
وهذا التصميم يكسب الدرع خفة ومرونة.
فهي أفضل من الصفائح التي تثقل الجندي وتعيق حركته.
وأما ذو القرنين فقد استخدم الحديد
لبناء السد، فهذا اختراع عجيب لم يعمله أحد قبله ولا بعده! ولم يكتف بذلك، بل مزج الحديد
بالنحاس المذاب. قال الله على لسان ذي القرنين: ﴿آتُونِي
زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى
إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ [الكهف:
٩٦] والنتيجة الهائلة: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ
وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ [الكهف: 97].
طلب ذو القرنين أولا الإتيان بزبر
الحديد، والزُبَر جمع زُبرة، أي قطعة عظيمة من الحديد. [المفردات في غريب القرآن للأصفهاني
ص377].
وهذا بحد ذاته عجب، فإن عامة البنايات
تتكون إما من الأحجار أو اللبنات، أما أن يكون قوام البناء قطعا كبيرة من الحديد فهذا
غاية في القوة والمتانة، وهي فكرة إبداعية عجيبة، وتجاوزت حدود الإتقان المعهود! ومع
ذلك فإن الحديد رغم قوته ومتانته يتعرض للصدأ مع تقادم الزمان، فما الحل؟
الحل في أعجوبة هندسية أخرى! قال تعالى:
﴿حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا﴾
[الكهف: 96]، قال الإمام الرازي مفصلا لهذا الإجراء: "فأتوه بها – أي زبر الحديد
- فوضع تلك الزبر بعضها على بعض، حتى صارت بحيث تسد ما بين الجبلين إلى أعلاهما، ثم
وضع المنافخ عليها ﴿حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ
آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ [الكهف: 96]، والقطر هو النحاس المذاب
[المفردات في غريب القرآن ص677]، أي حتى إذا صارت مشتعلة كالنار، صبّ النحاس المذاب
على الحديد المحمَّى، فالتصق بعضه ببعض وصار جبلا صلدا. فخلطُ الحديد بالنحاس يمنع
عملية التصدئ.
ثم إن نتيجة هذا الإبداع ومتانة البناء:
﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا
لَهُ نَقْبًا﴾ [الكهف: 97]، أي ما قدروا على الصعود عليه لأجل ارتفاعه وملاسته،
ولا على نقبه لأجل صلابته وثخانته. [مفاتيح الغيب (21/500)].
والخلاصة أن هذه الأمور تشير إلى نقاط
غاية في الأهمية: (1) ضرورة توفير قوة رادعة (2) وإتقان الصناعة وتطويرها (3) وابتكار
وسائل وطرائق جديدة لجلب المنافع ودرء المفاسد. وكل هذا بعد اتباع الكتاب وإقامة الميزان.
وفقنا الله وإياكم لكل ما يحب ويرضى.
اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا شر ما قضيت،
تباركت ربنا وتعاليت.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة
تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.