البحث

التفاصيل

حَذارِ.. فإن الشيطان خنّاس

الرابط المختصر :

حَذارِ.. فإن الشيطان خنّاس

بقلم: شيروان الشميراني

عضو المكتب التنفيذي للمنتدى العالمي للوسطية

 

عند نهايات شهر رمضان المبارك لابد من تذكر بداياته، لما له من خصوصية في التأثير الروحي مختلف عن العبادات الأخرى، فلكل عبادة مفروضة من الله على العباد مميزات تختلف عن الأخرى، هي ليست مجرد تنويع في وسائل التربية والتألق الروحي، وإنما بناء على العلم الإلهي المطلق، الخالق العالم والمحيط بكل جوانب النفس البشرية، فالعبادت تتعامل مع كل جوانب التكوين البشري.

عن الصيام يصور رسول الله -صلى الله عليه وسلم- طبيعة المعركة، وهي أن الشيطان يعجز عن العمل، ويفقد القدرة على التحرك، العبادات فرضها الله سبحانه لتربية الإنسان، وهي تتوافقٍ مع تلك الأبعاد فيه، بتوازن عدل وفقاً لأهمية كل مكون في خلقه ودوره في الحياة، فقد نقل عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قوله الشريف: "إِذا كان أول ليلةٍ من شهر رمضان صفدَتِ الشياطين ومَرَدة الجنّ، وغلقتْ أبوابُ النارِ فلم يُفتحْ منها بابٌ، وفَتَّحَتْ أبوابُ الجنَةِ فلم يُغلقُ منها بابٌ، ويُنادي منادٍ كلَّ ليلةٍ: يا باغيَ الخيرِ أقبل، ويا بآغي الشّر أقصر، وللهِ عتقَاءُ من النارِ، وذلك كلَّ ليلةٍ": هذا الحديث النبوي منَ أشهر ما يحدَّث به في رمضان، والتصفيد من: صفد، يقول لراغب الأصفهاني في المفردات: مقرنين في الأصفاد أي: مشدودين في الأغلال والقيود. لكن ماهو المغزى من تصفيد الشياطين؟

المعنى الذي أفهمه هو: أن القرآن الكريم نص في عدد من الآيات المباركات أن الشيطان عندما يحاول إغواء الإنسان فهو يعتمد على قوى شهوانية مغروسة فيه بإعتبارها من لوازم أداء الخلافة في الأرض، وهي الغرائز الجسدية الفطرية التي يعجز عن الإفلات الكامل منها، ولم يؤمر أساساً بالإفلات منها لأن العمل المكلف به لا يكتمل إلا بالتوظيف العدل لها، وبالتالي فإن الشيطان يأتي يعمل على هذه الغرائز وإثارتها وتهييجها، العمل على إخراج تلك القوى الجسدية من حالتها الطبيعية المرسومة إلى حالة من الفوضى.. في رمضان وبما أن الشيطان يعتمد على تلك الغرائز الجسدية والإنسان المسلم يقلل من غذائها، يفقد الشيطان المادة الأساسية التي يستعملها كسلاح في الحرب والدفع بالمؤمن إلى الانحراف والابتعاد عن خالقه.

هكذا كانت بدايات الصيام، بتصفيد الشيطان وحبسه، وفقدانه القدرة على الإغواء والتضليل، لكن ليس كل قدرته، وقوته تعتمد من: تبيّن وتشتغل على الاستعدادات النفسية في الإنسان، الصيام منعه وسدّ عليه الطريق، هنا بالتحديد لابدّ للصائم أن يعلم أن صفة الشيطان هي أنه "خنّاس"، نصّت على ذلك سورة الناس {من شَرِّ الوَسواسِ الخَنّاس} [الناس: 4]، والخنّاس هو صيغة مبالغة من : خنس، يتنحى عن الطريق وينقبض، فالشيطان خنّاسٌ، يرجع ويتراجع، يأتي إليك عند الغفلة، وينتهز الفرصة للوثوب، ويتراجع عند تذكر الإنسان المسلم أنه بدأ يتعرض لحالة التضليل والإغواء والانحراف، {إنّ الّذين اتَّقَواْ إذا مَسَّهُم طائِفٌ مِنَ الشيطان تَذكّروا فإذا هُمْ مُبْصِرُونْ} [الأعراف: 201].

يقول محمد رشيد رضا: "مسهم، أي ألمّ أو اتصل بهم طيف أو طائف من الشيطان، ليحملهم وسوسته على المعصية، أو ينزغ بينهم لإيقاع البغضاء والتفرقة".

إذاً لن يبقي الانسان المسلم على ذات المستوى من التألق الروحي، فهو من خصائص الصيام وصيام شهر رمضان فقط، وليس صيام السنن والنوافل في الأوقات الأخرى، وتبقى الحالة الروحية الإستثنائية التي يحياها الصائم في شهر رمضان إنها ليست هي صكّ الغفران المستدام ولا تعطي العصمة له، هي تعليم وتدريب وإضاءة للطريق الذي ينبغي أن يسير عليه بعد رمضان، لن يقدر الانسان أن يعيش أجواء رمضان بعده، لأنه وضع وترتيب إلهي خاص بهذه العبادة، لكن الله سبحانه أراد من العباد أن يعلمهم بالعمل المحقّق في مدرسة رمضان وليس بالقول فقط بإن هذا هو الطريق، وهذا ما ينبغي ان يكون الطريق الروحي والسلوكي في المستقبل، إن رمضان قد نبّه الانسان إلى حقيقة القوى التي يمتلكها في المعركة مع الشيطان، التي هي معركة بين انفلات الغرائز وسموّ الروح، خلال هذه المعركة يتعلم الصائم أنه قادر ولديه القوى اللازمة لخوض تلك المعركة والانتصار فيها.

فممكن وبلا شك أن تنخفض الروحانيات، ليس ذلك من ضعف في مستوى التدين، ولا تعتبر نقيصة، إذ من غير الممكن أن يبقى الانسان المسلم على تلك الحالة المرتفعة والمقصودة إلهياً طيلة أيام السنة ولياليها، لكن شرط أن لا يصل إلى الغفلة التي يترصدها الشيطان، وإذا انحلّ المسلم عن أجواء رمضان بكاملها، أي تحركت القوى الغرائزية فيه من جديد، وبدأت تفعل فعلها وتفلت من عقالها، يكون الشيطان حينئذٍ حرّاً طليقاً، ويكون الانسان هو الذي قدم له مساعدة كسر الأغلال التي قيدته وصفدته وإطلاقه حرّاً لإستئناف العمل من أجل إفساده هو، فيرمي حِباله محاولاً جرّه نحو الذنوب والآثام والمعاصي.. كثيراً ما يدعو المسلم وهو يتضرّع إلى الإله الخالق "سبحانه" أن يثبت قلبه على الإيمان والصلاح، كأن الثبات هو الغاية التي إن نالها، ووصل إليها، يكون قد وصل إلى شاطئ الأمان، وينتهي كل شيء، وتنتهي جولات المعركة، لكن الأمر ليس كذلك حسب الفهم القرآني، فمع أن الدعوة  للثبات من محاسن الأدعية، والثبات صمّام الأمان في رحلة الحياة، لكنه ليس نهاية المعركة، لأن الشيطان سواء كان من الجِن أو أقرانه من الإنسان في صورة صديق أو قريب، يبقى في ساحة المعركة ولن يستسلم، فهو "خنّاس"، هذا هو مفهوم قوله سبحانه: {فتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثبوُتِها} [النحل: 94

يقول القرطبي: هذه استعارة للمستقيم الحال يقع في شر عظيم ويسقط فيه، لأن القدم إذا زلَّت نقلت الإنسان من حال خير إلى حال شرّ". فيتنكب عن الصراط المستقيم بعد أن كان ثابتاً عليه.

يقول الشاعر: "سيمنع منك السبق إن كنت سابقاً.. وتقتل إن زلَّت بك القدمان".

إن الثبات يجب أن يكون مستداماً، لهذا يحذّر ربُّ العالمين العالِم بالنفوس، ليس المسلم العام وهم غالبية الأمة فحسب، وإنما المسلم المتقي الواصل، يحذره من أن القدم الثابت تزلّ! ما دام الإنسان في الحياة لم يمت بعدُ، لذا عليه أن يكون منتبهاً ويستعين بما تعلمه من رمضان وتدرّب عليه، ويحافظ على ما أكسبه الصيام وباقي العبادات الخاصة بشهر رمضان من أسلحةٍ وقوة وجلادة في المقاومة، وخوض المعركة والثبات فيها حتى نهاية الجولة الأخيرة، ونهاية الجولة الأخيرة هي لحظات خروج الرّوح إلى بارئها، ومغادرة الإنسان الحياة.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.


: الأوسمة


المرفقات

التالي
حقائق وعبر عن الحرب الصهيونية الأمريكية الإيرانية
السابق
إصلاح الأمة ووسيلة نهوضها وارتقائها وفق منهجية الشيخ العلامة د. علي القره داغي

مواضيع مرتبطة

البحث في الموقع

فروع الاتحاد


عرض الفروع