إصلاح الأمة ووسيلة نهوضها وارتقائها
وفق منهجية الشيخ العلامة د. علي
القره داغي
بقلم: د. دحام
إبراهيم الهسنياني
عضو الاتحاد العالمي لعلماء
المسلمين
فقد خرَّج الإسلام علماء عظماء في شتى الحقول
المعرفية، منذ عهد الرسالة، وعلى امتداد الزمان والمكان، وما يزال هذا الدين يخرج
العلماء إلى يوم القيامة، فهم ورثة الأنبياء، تحقيقا وتصديقا لعالمية الرسالة التي
يحملونها وينوبون في تبليغها عن الرحمة المهداة للعالمين.
والناس بحاجة إلى العلماء أكثر من حاجتهم للطعام
والشراب، وسائر مقومات الحياة، فإن تميز الإنسان وتكريم الله له عن سائر المخلوقات
إنما كان بالعقل والإدراك الذي به تمييز الصالح من الطالح، والخير من الشر، وهو
سبب التكليف، وبه يتفاوت الناس.
والعلماء هم أولو الأمر الذين أمر الله بطاعتهم،
ووجب على الناس اتباعهم وتوقيرهم، لأنهم صمام الأمان للأمة، يعصمونها من الزيغ
والضلال، مصداقا لقوله -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ
الْعِلْمَ انْتِزَاعاً يَنْتَزِعُهُ مِنْ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ
بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِماً اتَّخَذَ النَّاسُ رؤوساً
جُهَّالاً، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا).
ولا شك أن كل ما أصاب الأمة من انحراف فكري
وسلوكي، وهوان وضعف، هو نتاج إضعاف دور العلماء والقدوات في المجتمعات الإسلامية،
فضلاً عن كيد أعداء الإسلام ومكرهم بالليل والنهار لإفساد المسلمين، ونشر الرذيلة،
ومحاربة الفضيلة، ودعم الانحلال، وإضعاف الالتزام.
ومن هؤلاء العلماء
الأعلام الشيخ الدكتور علي محي الدين القره داغي حفظه الله، الذي يعد بحق من أهم
وأبرز الدعاة للإصلاح والتطوير والابداع في هذا العصر.
يتبين ذلك من خلال
سيرته الكريمة ومواقفه المشرفة وجهوده المباركة، وكذلك من خلال دراسة لكتبه
ومؤلفاته وبحوثه ومقالاته، ومن بين تلك الكتب القيمة والرائعة كتاب: على خطى الأنبياء الإصلاح الشامل رسالة الأنبياء
ووسيلة النهوض والارتقاء. دراسة لمعاني الإصلاح الشاملة، ومقاصده وكيفية
تحقيقه وفقا للمنهاج وفقه الميزان.
يقول الشيخ في مقدمة
كتابه هذا: فإذا تَدبَّرنا القرآن الكريم لوجدنا أنه يضع برنامجاً دقيقا وعميقاً
لبناء الإنسان الحَرِيِّ بالاستخلاف والعمران، وأن هذا البرنامج يتكون من ستة
أركان، أو مصطلحات، وهي:
1ـ ركن القراءة الصحيحة
للكتاب، والكون والإنسان في ظلال الربوبية: (اقْرَأْ
بِاسْمٍ رَبُّكَ)، وفي ظل كرامة الإنسان وحريته المسؤولة: (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ) أي للإنسان.
2ــ ركن الإصلاح للعقيدة
والفكر، وللإنسان في باطنه وظاهره، وللأسرة والمجتمع، وللأنظمة والبرامج والمناهج:
السياسية، والتعليمية، والاجتماعية، والاقتصادية: (إِنْ
أُرِيدُ إلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ).
3ــ ركن التربية والتزكية
للأرواح لتكون سامية والقلوب حتى تكون سليمة: (يَتْلُو
عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ).
4ــ ركن التغيير للأنفس: (إِنَّ اللّهَ لا يُغَيْرٌ مَا بِقَوْمِ حَتَّى
يُغَيْرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ).
5ــ ركن العناية بالعقل
وتوجيهه نحو الحكمة والإبداع والأحسن، قال تعالى: (وَمَن
يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا
أُولُو الْأَلْبَابِ).
6ــ ركن الأخذ بفقه
الميزان، أو الموازين في الفهم والتعامل مع الكتاب والسنة، ومع العباد وبقية
الأنام: (وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَّابَ
وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ). فهذا هو المنهاج
الصحيح القاضي على الفرقة والاختلاف في الثوابت والمبادئ والكليات.
فهذه هي أركان النهضة
والنهوض، والصلاح والإصلاح والتقدم، والإبداع، والحضارة والعمران، كما أن الالتزام
بها يُحقِّق العدالة، والاعتدال، والتوازن، والتنمية الشاملة، والقيم الإسلامية
السامية.
ولكن تحقيق هذه الأركان
الستة يحتاج إلى المنهاج الدقيق الخاص بالإسلام، وهو المنهج القائم على الخطة
والأهداف، والرؤية، والبرامج، والمشاريع.
ومن الجدير بالتنويه به
أن مصطلح «الإصلاح» في القرآن يشمل بقية الأركان السابقة.
والشيخ لم يَختر عنوان
الكتاب جزافاً، بل اصطفاه عن سابق نيّة وقصديّة، يَصدُق عليه قولُ الشاعر:
لَهُ
ظاهِرٌ قَد عَمَّه الحسنُ كلُّه *** وَظاهِرُهُ لا شكّ عُنوانُ باطِنِ
وهو يُريد لهذا العنوان
أنْ يَكون مرآةً لما جاء في النصّ الأكبر - أي متن الكتاب، لا يعكسه ما استطاع إلى
ذلك سبيلا وحسب، بل يُسطِّر لنفسه مركزيّةً بمحاذاة مركزيّة النص الأكبر.
لذلك فما يمَتاز به
الشيخ هو تَركيزه على إحداث ثورة حقيقيَّة في الإصلاح فيكونَ شاملاً غيرَ منقوص
كيما يَعودَ بالفائدة العامّة على الأمّة الإسلاميّة في زمنٍ عصيب سيأتي عليها
ويَقضي، وعلى ما لها إنْ لم تَشهد حركةً إصلاحيّة اجتهاديّة تُسائلُ جميعَ الأمور
بلا وَجَل؛ وكيف للوجل أنْ يَستبدَ بها أو للخشية أنْ تَفترسها ولها ما يُؤازرها
ولها ما يَضمن لها إقدامَها على مثل هذه الحركة ضماناً لا يَأتيه الباطل لا من بين
يديه ولا من خلفه!؟ فهي في حصن حصين منيع صامدٍ دون ضربات الأغيار الضعيفة أمام
صلابتها واستحكامها.
ولم تأتِ هاته الخلاصة
للأركان الستّة السالفة أعلاه إلا بعد إبحار العلامة القره داغي في أمواه الفقه
الكثيرة والخروج بما فيها من دُرَر ثمينة ومن لآلئَ نفيسةٍ، وإلا بعد سَبْرِه ما
فيها من بنيان مَرصوص يمكن الوقوف عليه وقوفاً مُحكَماً لا يَتزلزل أمام جبروت الرأسمالية
الراهنة وأمام الاشتراكية آنَ كانتِ الهيمنةُ للاشتراكية.
وهكذا، لن نَقبض على
الغاية المُرتجاة بالرجاء وحسب، ولا بطَرْق أبواب الأغيار والمَتْح من ثقافتهم
الغريبة عنّا وغير المناسبة لرؤانا الإسلاميّة التي جاءت كاملةً تامّةً كما لا
يَنفكّ يُؤكِّد الشيخُ على ذلك، بل ببرامجَ مُستوحاةٍ من عقيدة وقفت على كل صغيرة
وكبيرة وعلى كل شاردة وواردة، تاركةً الأبوابَ مفتوحةً على مصاريعها أمام كلّ ما
يَستجذ في كل زمان ومكان؛ فقُرآنُنا وشريعتنا صالحان لكل زمان ومكان، ولا يَرفض
هذا أو يَفتابه الشلُّ فيه إلا كلُّ جاهل أو تابع إمّعة لا حَظَّ له من معرفة
الينابيع الدفّاقة شلالاتٍ تَجرف معها كلَّ فكرة أجنبيةٍ غيرِ صالحة لا تصمد أمام
البرهان القاطع الذي جاء به هذا الدين الحنيف، برهانٍ يقوم على العقل الذي كَرّمه
القرآن تكريماً وطالب صاحبه بتشغيله وتفعيله واستثماره عند كلِّ مُشكلة قد تَبدو
عويصةً لأوّل وهلة، فإذا بهذا العقل يميط للئام والغشاوة عنها واجداً لها من
الحلول ما يَشْدَهُ له كلُّ رأسماليِّ واشتراكيِّ يَحمل بين ضلوعه الظنَّ بأنْ ليس
مِن أحدٍ سواه يُزيل الأستار عن غوامض الحياة بتفاصيلها كلّها أوجلِّها.
ولا يأتي القره داغي
على الإصلاح المنشود إلا بعد أنّ يقف على المشكلة وتفاصيلها الدقيقة، وإلا بعد أنْ
يكون قد عرف أين مَكمَن الخطأ والخطَل فيها. آنئذٍ يُقدِّم الحلول الممكنة التي
تَصِلُ ب «المُشْكِل» إلى مُستوى معالجةٍ تَعود على الأمة الإسلامية والإنسانية قاطبةً
بخيرٍ مُؤثَّل مُؤصَّل في الشريعة الإسلامية بمصادرها وينابيعها الأُولى من قرآنٍ
كريم وسُنّة نبوية شريفة ومقاربات للسلف الصالح الرامي إلى إلى ما يُرضي الله،
غيرَ آبهِ لمَن يُطِلُّون في دِثار الرأسمالية والاشتراكية اللتين أنزلتًا بالحياة
ومن فيها وما فيها نوازل لا تُعدّ ولا تُحصى أولاً، ثم ليس في مستطاعنا، ثانياً،
أنْ نَحُول دونها إلا بالحَفْر في ماضينا الثرّ الثري والخروج بأفضل الحلول
وأنجعها لـــــ (خَيْرْ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ
لِلنَّاس).
لا يَنتابُ الشيخَ أدنى
ارتيابٍ في أنّ المسلمين انشغلوا، منذ ردحٍ من الزمنِ غيرِ قصيرٍ، عن هذه
المصطلحات أو الأركان الستة انشغالاً أفضى بهم إلى حالهم المزرية التي هم عليها.
وهذا الانشغال هو الذي جَعَلهم والتخلُّفَ صِنْوينِ لا يَكادان يَفترقان كما هي
حالُ المضاف والمضاف إليه في النحو العربي. وهذا الانشغال هو الذي فَرّقهم تفريقاً
بَلَغ مَبْلغاً أين منه السيلُ حين يَبَلغ الرُّبى! إنّه تَفرُّقٌ أشغلهم عن
قضاياهم الكبرى، دافعاً بهم نحو سفاسف الأمور وحقائرها، هاجرين عظائمَها وجلائلها،
فطَفِقوا يحتربون ويَقتتلون والآخرُ يُقهقِه من جهلهم وغفلتهم واندغامهم في هذا
الاحتراب وذاك الاقتتال قَهقهةً لَمّا التفتوا إليها ولَمّا يُحاولوا الحؤولَ
دونها، بَلْهَ رَدَّها إليهم الصاعَ صاعَين!
من هاهنا، يَصبُّ
العلامةُ القره داغي كلَّ اهتمامه على تفعيل كل ما يمكن تفعيلُه من طاقات وعقل
وآيات وأحاديثَ وتأويلاتٍ و... لغاية تحقيق الأفضل والبلوغ إلى الأسمى للأمة
الإسلامية التي تَستحقّ ذلك بما تقف عليه من أرضية مَتينة يمكن أن تُشكَّل، إذا
استُثْمِرت خيرَ استثمار، مَصْطَبةً للقفز حو الأحسن في مجاراة الأمم المتقدَّمة،
بل حتى مجاوزتهم في استفادتهم من النصوص الإسلامية ومن المفكِّرين المسلمين - كابن
خلدون على سبيل المثال - ووضْعهم برامجَ كانتِ النواةَ في بناء أصل ظننَّاه لهم
وهو لنا؛ بعبارة القرآن الكريم: (هَذِي
بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا).
ويَذهب الشيخ إلى أنّ
ما صار إليه المسلمون من انحطاط في معظم الجوانب، وتدهورٍ في الأخلاق والقيم،
وابتعاد عن الروحانيات، هو، ولا شك، لم يأت من فراغ وإنما جاء بسبب عدم أخذهم بسنن
الله تعالى كما جاء في الآية الكريمة: (أَوَلَمَّا
أَصَابَتْكُم مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنىَّ هَذَا قُلْ
هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)!.
ما سَلَف من كلام هو
صورة إجمالية للإصلاح الشامل الذي يَتحدّث عنه الشيخُ والأملُ يَحْدوه في تحقيقه.
والشيخُ لا يَألو جهداً في تبيين أركان الإصلاح وشروطه والحركات الإصلاحية، رامياً
إلى مداواة جميع أدواء الأمّة الإسلاميّة أفراداً ومجتمعاتٍ وحكوماتٍ.
فالشيخ لا يُقارِب
مُصطلحاً أو مفهوماً إلا بعد أنْ يكون قد أَشبعه تقصيّاً وتَقرّياً. وهو هنا يَسير
سيرَه الدؤوب الدائم فيتعقّب «الإصلاح» في بطون المعاجم اللغوية، ويَخرج من
تعقُّبه بأنّ الإصلاح تحقيقٌ للمنافع، والطيبات، وإزالة المفاسد والمضارّ
والخبائث، وإصلاح ذات البين. ثُمّ يَخلُص إلى القول بأنّه لن يتحقق الإصلاح
والصلاح إلا إذا قُضي على الإفساد والفَساد؛ الفساد الذي عالجه القرآن الكريم
علاجاً شمل الفساد العقدي، والأخلاقي، والشعائري، والسلوكي، كما شمل الإفساد
الإداري، والمالي، والاقتصادي، والاجتماعي، والبيئي، والإفساد في الأنظمة القضائية
والسياسية ونحوهما.
والعلامة القره داغي
يَعلم قبل غيره أنّ هناك حوائلَ جَمّةً قد تُعرقل طريق الإصلاح غيرَ المُعبَّد
وتَعترض سُبُلَه غيرَ المُذلَّلة.
انظر: العلامة الشيخ د.
علي القره داغي، صوت الإصلاح والتجديد والإحسان، مؤسسة وشان: 55.
وليس في مُكنة أيِّ كان
أنْ يُحيِّدَ تلك العراقيل والمعترضات إلا إن كان مُصلِحاً تَتوافر فيه صفاتٌ
يَذكرها القرآن الكريم علانيةً. وهاتيك الشروط هي:
ــ النيّة الصادقة والإخلاص الكامل، والتوكل على الله تعالى.
ــ الإشفاق على القوم، وحبّ الخير لهم، وكره الشر لهم.
ــ الإرادة الحازمة، والاستعداد التام، والأمل الكبير، واليقين الصادق بالنجاح
في عملية الإصلاح.
ــ التدرج والصبر وعدم الاستعجال وعدم اليأس والقنوط، وتحمّل المصلح لنتائج
الدعوة إلى الإصلاح.
ــ القدوة الصالحة، ولذلك عرَّف الله تعالى (الصِّرَاطَ
المُستَقِيمَ)، بقوله: (صِرَاطَ
الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغْضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ).
ــ المراقبة، والمتابعة الدائمة، والاستمرارية أو ما يسمى بالاستقامة.
ــ العلم بالإصلاح وطرقه، وبتاريخ المصلحين من الأنبياء والمرسلين
والمصلحين، وبالتجارب الناجحة والفاشلة ليُستفاد منها «فالحكمةُ ضالَّةُ المؤمِنِ
أَنَّى وَجَدَها فَهو أَحَقُّ بِهَا».
تُمّ يَقتصر الشيخ على
الإتيان على الإصلاح بإيراد حديث نبويٍّ يَقول (اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لي دِيني الذي
هو عصمة أمري، وأصْلِحْ لي دُنْياي التي فيها مَعاشي، وأَصْلِحْ لي آخِرتي التي
إليها مَعادي).
على أنّ الإصلاح
الشامل، وفقاً لرؤية الشيخ، يتطلّب ضرورة وجود خطة استراتيجية عامة ومرحلية تتوافر
فيها الشروط والضوابط والآليات المطلوبة للنجاح ومعالجة التحديات التي تعترض طريق
الإصلاح.
الاصلاح الشامل في رسالة الأنبياء
يرى الشيخ أن الاصلاح
لابد أن يكون شاملاً وفق رسالة الأنبياء، والتي تشمل:
ــ الإصلاح الشامل للإنسان فرداً وجماعة، وأمة، ومجتمعاً، ودولة.
ــ الإصلاح الشامل لداخل الإنسان: روحه، وقلبه، ونفسه، وعقله، ولخارجه: سلوكه،
وصفاته الظاهرة، وأخلاقه في التعامل.
ــ الإصلاح الشامل لمحيط الإنسان أي للبيئة والعمران.
ــ الإصلاح الشامل للإصلاح: العقدي، والفكري، والأخلاقي، والاجتماعي،
والاقتصادي.
ــ الإصلاح الشامل لكلِّ من النظام السياسي، والتعليمي، والديني، والفقهي،
والاجتهادي.
هذه هي جوانب «الإصلاح
الشامل» الذي يَنشُده العّلّامةُ القره داغي تُطلُّ جانباً تلو الجانب؛ إذ لا
يَكاد يَغفل عن أيِّ منها على الأصعدة كافّةً. فإغفال واحدٍ منها يُلحِق الضررَ
بالآخر ويَترك خاصرةَ «بِناء الإصلاح الشامل» رخوةً قد تَنهصر في أيِّ وقت،
فيَنهارُ البناءُ على رؤوس مَن لم يُحسنوا تَحصينه من جميع الزوايا؛ فإذا
أُحْكِمتِ الزوايا أُحكِم البناءُ قوّةً وحصانةً، فلا تَنال منه رياح «الحداثة
الرأسمالية»، ومِن قبلها رياح «الاشتراكية»، وإنْ صَرْصَراً كانت، ولو عاتيةً
جاءت.
إنّ هذه الزوايا إنْ هي
إلا أركانُ الإصلاح وشروطه التي تُعوزها عملية الإصلاح للفرد والمجتمع والدولة.
وهذي العملية عسيرةٌ غايةَ العُسر ولا شلّ، لكنها ليست مُستغلَقة ولا مُقفَلةً
دونها الأبوابُ.
وشأنُها شأن كلِّ أمر
عظيم جليل تَدعو إلى الأصالة والرصانة والمتانة، والعقيدة المؤثرة، إلى البرنامج
المَدروس، والخطة الناجحة، والفكر المستنير، والتضحيات الجِسَام، والأفراد
المؤمنين الجاهزين لبذل الغالي والرخيص، وإلى الموارد المالية، والاستمرار الذي لا
يَعرف الكلل ولا المَلل، وإلى الاستقامة والرزانة، وهجران كلّ ما من شأنه أنْ
يُلقيَ بستائر اليأس والقنوط على نفوس القائمين على أمر «الإصلاح الشامل» فيُنبّطَ
الهِمَم ويَكبحَ العزائم؛ والمتنبي يَقول:
عَلى
قَدرٍ أهلِ العَزِمِ تَأْتِي العَزائِمُ ** وَتَأْتي عَلى قَدرِ الكِرامِ
المَكارِمُ
وَتَعْظُمُ
في عَيْنِ الصَّغِيرِ صِفَارُها ** وَتَصْغُرُ في عَيْنِ العَظِيمِ العَظائِمُ
وفي مُستطاع هذه
الأمّة، كما لا يَنفلُّ يُردِّد العلامة القره داغي، أنْ تَكتسب «العظائمَ»
والجلائلَ، غيرَ هيّابةٍ وُعُورةَ المسالك إذا ما نظرت إلى نفسها «عظيمةً»،
ويَنبغي لها. وقتئذٍ، «تَصْغُرُ» في «عين» ها العوائق وإنْ جَلّت، ويَسهُل الوصولُ
وإنْ بَدَا مَهُولاً أوّلَ الأمر.
وصلى الله وسلم على
نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* ملحوظة: جميع
المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي
لعلماء المسلمين.