الإطار المفاهيمي للحزن في القرآن الكريم
وفروقه اللغوية
بقلم: د. غزالة الحجار
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
قسمت
الباحثة هذا المبحث التمهيدي إلى ثلاثة مطالب؛ يدور الأول حول الحزن في اللغة وفي
اصطلاح علماء النفس، ويتناول المطلب الثاني مرادفات الحزن وفروقه اللغوية، أما
المطلب الثالث فيتناول مفهوم الإيمان لغة وفي اصطلاح أهل الفقه والاختصاص، ونكتفي
في هذه المقالة بإيراد المطلبين الأوّلَين، ومع حذف الهوامش لتسهيل القراءة.
المطلب
الأول: مفهوم الحزن في اللغة ومرادفاته وفروقه اللغوية
أولًا: مفهوم
الحزن عند علماء اللغة
يظهر من خلال تتبع أقوال علماء اللغة
أن المعنى اللغوي للفظة الحزن قد غلب على المعنى الاصطلاحي المعروف به، إذ يدل في
أصله على ما يحصل في النفس من مشاعر الضيق والهم. ومن ذلك ما أجمع عليه أهل اللغة
من أن:"(حَزَنَ) الْحَاءُ وَالزَّايُ وَالنُّونُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ
خُشُونَةُ الشَّيْءِ وَشِدَّةٌ فِيهِ، فَمِنْ ذَلِكَ الْحُزْنِ".
وقد جاء في المعاجم اللغوية أن:
"الحُزْنُ والحَزَنُ خلاف
السُّرور، وحَزِنَ الرجل بالكسر فهو حزين، وأحزنه غيره وحزنه أيضًا، ومحزون بُني
عليه. وقال اليزيدي: حَزَنَهُ لغة قريش، وأحزنه لغة تميم، وقد قرئ بهما. والحُزانة
بالضم والتخفيف عيال الرجل الذي يتحزن بأمرهم، وفلان يقرأ بالتحزين إذا أرق صوته
به. والحَزْن ما غلظ من الأرض وفيها حُزونة. قال الأصمعي: الحُزَن الجبال الغلاظ،
الواحدة حُزنة، والحَزون الشاة السيئة الخلق".
كما قيل إن الحُزْن ما غلظ من الأرض
كالحُزْنة، والحزانة عيال الرجل الذين يتحزن بأمرهم، ويقال: فلان يقرأ بالتحزين
إذا رقَّق صوته به. ويقال كذلك: رجل حَزْن أي شرس، وقوم حَزَن، والحَزون الشاة
السيئة الخلق، وبعير حَزْني يرعى الحزن، والحُزن أيضًا الصُّخور.
وجاء في تاج العروس أن للعرب في الحزن
لغتين؛ فإذا فتحوا ثقَّلوا، وإذا ضموا خففوا، فيقال: أصابه حَزَن شديد أو حُزن
شديد، فإذا جاء الحزن منصوبًا فتحوا، وإذا جاء مرفوعًا أو مجرورًا ضموا الحاء، كما
في قوله تعالى: ﴿وَٱبۡيَضَّتۡ عَيۡنَاهُ مِنَ
ٱلۡحُزۡنِ فَهُوَ كَظِيمٞ﴾ (يوسف: ٨٤)، وقوله تعالى: ﴿تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمۡعِ حَزَنًا﴾ (التوبة: ٩٢)،
وقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّمَآ أَشۡكُواْ بَثِّي
وَحُزۡنِيٓ إِلَى ٱللَّهِ وَأَعۡلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ﴾
(يوسف: ٨٦).
وقد قال الراغب الأصفهاني إن الحزن هو
"خشونة في النفس لما يحصل فيها من الغم". كما أجمع علماء اللغة في كتبهم
على أن الحزن عبارة عما يحصل بسبب وقوع مكروه أو فوات محبوب في الماضي، فقد جاء في
كتاب الكليات:
"وأما
الحزن فهو غم يلحق من فوات نافع أو حصول ضار". وقيل كذلك إن الحزن يكون على
فقد ممتلك ونحوه، وقد يكون خوفًا من فقدان محبوب أو مفارقته بموت أو سفر، وهو في
معناه العام أثر لوقوع مكروه أو توقع نزوله.
ومن خلال ما تقدم يتبين أن الحزن يدل
في أصله على الشدة والخشونة، وهو كثيرًا ما يقترن بالهم والغم، كما يدل أيضًا على
ما غلظ من الأرض، ويجمع على أحزان أو حزونة، والحزانة أهل الرجل وعياله الذين يهتم
لأمرهم، والتحزين القراءة مع رقة الصوت، والرجل الحزن السيئ الخلق.
ثانيًا: المفهوم
الاصطلاحي للحزن عند المفسرين وعلماء النفس
ارتكزت التعريفات الاصطلاحية للحزن
على الجانب النفسي منه، وليس على آثاره فقط. ومن ذلك ما ذكره عبد الله خاطر في
كتاب الحزن والاكتئاب حيث قال إن: "الحزن أمر فطري ينتاب كل البشر
عندما تقابلهم متاعب هذه الحياة الدنيا، ولا أحد يُستثنى من ذلك". كما وصف
رشيد رضا الحزن بأنه "ألم طبيعي يعرض للإنسان عند فوات ما يحبه".
أما الدكتور محمد عثمان نجاتي فقد وصف
الحزن بأنه "انفعال مضاد للفرح والسرور يحدث إذا فقد الإنسان شخصًا عزيزًا أو
شيئًا ذا قيمة كبيرة، أو حلت به كارثة ما، أو فشل في تحقيق أمر هام". وقد
كانت تعريفات علماء النفس للحزن قريبة من تعريفات علماء اللغة، إذ أوضح الدكتور
محمد عبد الحليم أن الحزن "مشاعر عاطفية لا تمس مقدرات الإنسان الأخرى، وأنه
رد فعل لظروف سلبية".
وقال الراغب في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحۡزَنُواْ﴾ (آل عمران: ١٣٩) إن ذلك ليس
نهيًا عن تحصيل الحزن، لأن الحزن لا يحصل باختيار الإنسان، ولكن النهي في الحقيقة
إنما هو عن تعاطي ما يورث الحزن واكتسابه. ويعد الكندي من أوائل من فسر الحزن
تفسيرًا عقليًا إذ قال إنه "ألم نفساني يعرض لفقد المحبوبات وفوت
المطلوبات". والحزن نقيض الفرح والبهجة والسعادة، لأن الحزن والسرور ضدان لا
يجتمعان في النفس؛ فإذا كان الإنسان محزونًا لم يكن مسرورًا، وإذا كان مسرورًا لم
يكن محزونًا.
ومن هنا يتبين أن الحزن حالة نفسية
قلبية تصيب الإنسان بسبب خسران أمر مرغوب وفواته في الماضي، أو خوف من وقوع
المكروه في المستقبل، ويظهر أثر ذلك في القلب والعقل والجسد.
المطلب الثاني: مرادفات
الحزن في القرآن وفروقه اللغوية
تزخر الألفاظ العربية بمعانٍ دقيقة
تصف الحزن ومراحله وشدته، وقد فرّق علماء اللغة بين هذه المصطلحات بحيث تعبّر كل
لفظة عن مرحلة من مراحل الحزن أو حالة من حالاته. وقد ذكر الثعالبي في كتاب فقه
اللغة عددًا من أوصاف الحزن فقال: الكمد حزن لا يستطيع صاحبه دفعه، والبث أشد
الحزن، والكرب الغم الذي يأخذ بالنفس، والسدم همّ في ندم، والأسى واللهف حزن على
الشيء الفائت، والوجوم حزن يسكت صاحبه، والأسف حزن مع غضب، والكآبة سوء الحال
والانكسار مع الحزن.
وقد ورد في القرآن الكريم عدد من
الألفاظ التي تدل على الحزن أو تقاربه في المعنى، ومن أبرزها الهم، وهو الحزن
المصحوب بالانشغال والقلق، ويقال: أهمه الأمر إذا أقلقه وأحزنه، وقد ورد في قوله
تعالى:
﴿وَطَآئِفَةٞ قَدۡ أَهَمَّتۡهُمۡ أَنفُسُهُمۡ يَظُنُّونَ
بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلۡحَقِّ ظَنَّ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ﴾ (آل عمران: ١٥٤).
ومنها الغم، وهو الضيق الذي يطبق على
النفس ويثقلها، وقد ورد في قوله تعالى: ﴿فَأَثَٰبَكُمۡ
غَمَّۢا بِغَمّٖ لِّكَيۡلَا تَحۡزَنُواْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمۡ وَلَا مَآ
أَصَٰبَكُمۡ﴾ (آل عمران: ١٥٣)، وقوله تعالى: ﴿كُلَّمَآ أَرَادُوٓاْ أَن يَخۡرُجُواْ مِنۡهَا مِنْ غَمٍّ
أُعِيدُواْ فِيهَا﴾ (الحج: ٢٢).
ومنها الحسرة، وهي أشد التلهف على
الشيء الفائت وأشد الندم، وقد وردت في قوله تعالى: ﴿كَذَٰلِكَ
يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعۡمَٰلَهُمۡ حَسَرَٰتٍ عَلَيۡهِمۡ﴾ (البقرة: ١٦٧)،
وقوله تعالى: ﴿لِيَجۡعَلَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ
حَسۡرَةٗ فِي قُلُوبِهِمۡ﴾ (آل عمران: ١٥٦).
ومنها الأسف، وهو حزن شديد قد يصاحبه
غضب، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ
مُوسَىٰٓ إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ غَضۡبَٰنَ أَسِفٗا﴾ (الأعراف: ١٥٠)، وقوله
تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَٰخِعٞ نَّفۡسَكَ عَلَىٰٓ
ءَاثَٰرِهِمۡ إِن لَّمۡ يُؤۡمِنُواْ بِهَٰذَا ٱلۡحَدِيثِ أَسَفٗا﴾ (الكهف:
٦).
أما الكآبة فهي الأثر الظاهر للحزن
على الوجه، فهي علامة خارجية تدل على ما في القلب من حزن. والبث هو الحزن الذي
يظهره صاحبه ويشكو به، كما في قوله تعالى: ﴿قَالَ
إِنَّمَآ أَشۡكُواْ بَثِّي وَحُزۡنِيٓ إِلَى ٱللَّهِ﴾ (يوسف: ٨٦). والأسى هو الحزن على ما فات، كما في قوله تعالى: ﴿لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ﴾
(الحديد: ٢٣)، وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَأْسَ
عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (المائدة: ٢٦).
ومن الألفاظ كذلك الكرب، وهو الحزن
الشديد الذي يضيق معه الصدر، قال تعالى: ﴿وَنُوحًا
إِذۡ نَادَىٰ مِن قَبۡلُ فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ فَنَجَّيۡنَٰهُ وَأَهۡلَهُۥ مِنَ
ٱلۡكَرۡبِ ٱلۡعَظِيمِ﴾ (الأنبياء: ٧٦).
ومن الألفاظ القريبة من معنى الحزن
الإبلاس، وهو السكوت الممزوج بالحزن، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُم مُّبۡلِسُونَ﴾ (الروم: ١٢). وكذلك
الابتئاس وهو الحزن الناتج عن الشدة، كما في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَبۡتَئِسۡ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾
(النمل: ٧٠)، وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَبۡتَئِسۡ
بِمَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ﴾ (يس: ٧٦). أما البخع فهو شدة الحزن حتى
يكاد يهلك صاحبه، كما في قوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ
بَٰخِعٞ نَّفۡسَكَ عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِمۡ إِن لَّمۡ يُؤۡمِنُواْ بِهَٰذَا
ٱلۡحَدِيثِ أَسَفٗا﴾ (الكهف: ٦).
وبذلك يتضح أن اللغة العربية قد أولت
عناية كبيرة بتصوير مشاعر الحزن، فعبّرت عنها بألفاظ متعددة دقيقة الدلالة، تكشف
عن اختلاف درجات الحزن وأحواله، وهو ما يعكس ثراء اللغة العربية وقدرتها على
التعبير عن أدق المشاعر الإنسانية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة
تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.