مِنْ جِرَاحِ المَعَارِكِ إِلَى بِنَاءِ الأُسْرَةِ وَحِمَايَةِ
الضُّعَفَاءِ
(سلسلة:
مِحْرَابُ التَّدَبُّرِ: قُطُوفٌ مِنْ خَوَاطِرِ الجُزْءِ الرَّابِعِ)
بقلم: د. أحمد مهنا
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
الحمد
لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد..
أيها
القراء الكرام، نعيش اليوم مع الجزء الرابع من كتاب الله، وهو جزء يجمع بتناسق
عجيب بين بناء الدولة في ساحات المعارك بخواتيم سورة آل عمران، وبناء المجتمع من
داخل البيوت ببداية سورة النساء. ليؤكد لنا تأكيدا قاطعا أن الأمة لا تنتصر
بسيوفها فقط في الميادين، بل بتماسكها الداخلي وإعطاء كل ذي حق حقه.
المحطة
الأولى: مركزية الاعتصام
العقدي قبل الالتحام العسكري
قبل
أن يتحدث القرآن عن المعارك العسكرية وتفاصيلها، وضع لنا الشرط الأساسي والقاعدة
الصلبة لأي نجاح أو نصر: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعا
ولا تفرقوا﴾.
لن
يُنصر مجتمع ممزق، ولن تقوم قائمة لأمة تأكل بعضها من الداخل. حبل الله هو طوق
النجاة الوحيد، والتفرق هو الهزيمة السيكولوجية الحقيقية التي تسبق هزيمة الساحات.
ويقول الإمام القرطبي مبيناً عظمة هذا الحبل: "حبل الله هو القرآن، وهو عهد
الله، والاعتصام به هو التمسك بطاعته، فمن أفلت هذا الحبل تاه في دروب التفرق
والهلاك".
المحطة
الثانية: التمحيص الرباني
في أحد وفلسفة النصر والهزيمة
يشرح
لنا القرآن هنا أسباب التراجع في غزوة أحد بشفافية مطلقة وتحليل نفسي دقيق.
لم
تكن الهزيمة بسبب نقص العتاد أو العدد، بل كانت بسبب مخالفة الأمر والتعلق بمتاع
الدنيا. يقول تعالى عن الرماة كاشفا خبايا النفوس: ﴿منكم
من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة﴾.
الدنيا
إذا تسللت إلى القلوب أثناء العمل لله أفسدته، والانتصار لا يدوم إلا إذا كانت
النيات خالصة والطاعة للقيادة مطلقة. وفي هذا يكشف الصحابي الجليل عبد الله بن
مسعود رضي الله عنه عن عمق هذه الصدمة التربوية بقوله: "ما كنت أرى أحداً من
أصحاب رسول الله ﷺ يريد الدنيا، حتى نزل فينا يوم أحد: منكم من يريد الدنيا ومنكم
من يريد الآخرة". لنتعلم أن مراجعة النوايا فريضة مستمرة.
المحطة
الثالثة: خلود المنهج
الرسالي وتجاوزه لغياب الأشخاص
في
ذروة المعركة، أشيع أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد قتل، فألقى بعض الصحابة سلاحه
صدمة ويأسا.
فنزلت
الآية التي صنعت الوعي المؤسسي للأمة للأبد: ﴿وما
محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم﴾.
الإسلام
لا يربط أتباعه بالأشخاص مهما عظموا وبلغت منزلتهم، بل يربطهم برب الأشخاص الحي
الذي لا يموت.
الداعية
قد يرحل، لكن الدعوة باقية، وحامل الراية إذا سقط، يجب أن يتلقفها من بعده آخر
ليكمل المسير. وهذا هو الفقه العميق الذي استحضره الصديق أبو بكر رضي الله عنه يوم
وفاة النبي ﷺ فثبت الأمة به، ويعلق الإمام السعدي على هذه الآية قائلاً: "فإن
النفوس لا ينبغي أن تُعلق بأحد سوى الله، فمتى علقت بغيره، انقطع قلبها إذا فقدته،
بل يجب أن يكون المعبود والمقصود هو الله وحده".
المحطة
الرابعة: الأخلاقيات
القيادية في إدارة الأزمات (ثنائية الرحمة والشورى)
بعد
المعركة وما حدث فيها من مخالفة للرماة أدت لخسائر فادحة، كيف تعامل القائد صلى
الله عليه وسلم معهم؟ هل عنفهم؟
ينزل
التوجيه الرباني ليرسم أعظم نموذج للقيادة الرحيمة التي تلملم الجراح: ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا
من حولك﴾. بل أمره بما هو أعظم من مجرد العفو: ﴿فاعف
عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر﴾.
نعم،
شاورهم رغم أن الشورى السابقة كانت سببا في الخروج لأحد! لأن ترميم نفوس الرجال
واحترام عقولهم أهم بكثير من خسارة جولة عسكرية. ولله در الإمام الشعراوي رحمه
الله حين استنبط من هذه الآية سراً قيادياً بقوله: "أمره بالشورى بعد هزيمة
أحد لئلا يظن المسلمون أن الشورى كانت شؤماً عليهم فيكرهوها، فأراد الله أن يُبقي
مبدأ الشورى حاكماً للأمة رغم ما حدث، فجبر خواطرهم وأعلى قدرهم".
المحطة
الخامسة: التشريعات
الاستثنائية لحماية الجبهة الداخلية ورعاية المستضعفين
ننتقل
بسلاسة مبهرة من ساحة القتال في آل عمران إلى ساحة المجتمع في سورة النساء.
المجتمع
بعد المعركة مليء بالأرامل واليتامى بعد استشهاد سبعين من خيرة الصحابة، فجاءت
أوائل السورة لتضع سياجا حديديا لحماية الضعفاء بحزمة من التشريعات العادلة، مثل
التعدد وحقوق اليتامى والمواريث. فأمرت بوضوح: ﴿وآتوا
اليتامى أموالهم﴾، وأكدت على إكرام المرأة وحفظ مهرها كحق أصيل: ﴿وآتوا النساء صدقاتهن نحلة﴾.
الأمة
التي لا تنصف المرأة، ولا تحمي اليتيم، هي أمة هشة من داخلها، ولن تقوى أبدا على
مواجهة أعدائها في الخارج. ويشير العلامة الطاهر ابن عاشور إلى هذا الترابط العجيب
بين سورتي آل عمران والنساء بقوله: "لما خُتمت آل عمران بالجهاد والصبر، ناسب
أن تُفتتح النساء بذكر ما يعقب الجهاد من كثرة اليتامى والأرامل، ليُعلم أن حماية
الضعفاء في السلم لا تقل شأناً عن حماية الثغور في الحرب".
المحطة
السادسة: المنظومة
الإرثية.. العدالة الإلهية المطلقة والتحذير من التعدي
يتولى
الله جل جلاله في هذا الجزء تقسيم أموال الميراث بنفسه، في آيات محكمات مفصلة
بالكسور والحساب الدقيق، ولم يتركها لعاطفة بشر تتغير أو لتقاليد مجتمع تجور.
وسمى
ذلك التشريع الصارم: ﴿فريضة من الله إن الله كان
عليما حكيما﴾. من يتلاعب بالميراث ليحرم أختا، أو يمنع بنتا، فهو يتعدى
حدود الله مباشرة.
لذلك
ختمت آيات المواريث بوعيد شديد لمن يتعدى هذه التقسيمات، ليعلم المسلم يقينا أن
المال مال الله، والقسمة قسمته سبحانه. ويحذر الإمام ابن كثير من خطورة هذا التعدي
قائلاً: "الفرائض من أعدل القسمة، فمن زاد فيها أو نقص منها فقد اعتدى على
حدود الله، ومن اعتدى على حدود الله فقد أورد نفسه المهالك وتوعده الله بالعذاب
المهين".
الخلاصة:
الجزء
الرابع يعلمنا أن قوة الأمة كالطائر الذي يعتمد على جناحين؛ جناح الثبات واليقين
في الميدان رغم الجراح والأزمات، وجناح العدل والرحمة في البيوت من خلال حماية
حقوق النساء واليتامى. فإذا كسر أحد الجناحين، سقطت الأمة وتهاوت.
نسأل
الله أن يرزقنا الاعتصام بحبله، وأن يطهر قلوبنا من حب الدنيا، وأن يقيم ميزان
العدل والرحمة في بيوتنا ومجتمعاتنا.
وصل
اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد والحمد لله رب العالمين.
(اقرأ: الجُزْءِ الثالث من سلسلة مِحْرَابُ التَّدَبُّرِ "قُطُوفٌ مِنْ خَوَاطِرِ": مراتب اليقين.. من طمأنينة القلب إلى عطاء مالك الملك).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*
ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي
الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
*
د. أحمد مهنا؛ عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين. إمام وخطيب المركز الإسلامي
بمدينة توليدو – البرازيل.