البحث

التفاصيل

دور القاضي الفاضل في القضاء على الدولة الفاطمية

الرابط المختصر :

دور القاضي الفاضل في القضاء على الدولة الفاطمية

بقلم: د. علي محمد الصلابي

الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

 

لقد أشار المؤرخ المصري المقريزي إلى الدَّور الذي قام به القاضي الفاضل " أبي الحسن االعسقلاني" في الانقلاب على الفاطميين بقوله: واستعان صلاح الدين به (أي: بالقاضي الفاضل) على ما أراد من إزالة الدَّولة الفاطمية؛ حتى تّم مراده، فجعله وزيره، ومستشاره (الخطط للمقريزي (2/266)). وإن كلمة استعان تشير إلى دور القاضي الفاضل في تنفيذ مخطَّط صلاح الدين في القضاء على الدولة الفاطمية ، كما أن اختيار صلاح الدين القاضي الفاضل وزيراً له ما هو إلا تعبير عن تقدير صلاح الدين لدور القاضي الفاضل في هذا المخطَّط الخطير، وفي تأسيس قواعد الدَّولة الأيوبية؛ التي سبقت هذا المخطط، وهذا الاختيار يشير أيضاً إلى اعتراف واضح من صلاح الدين بدور القاضي الفاضل في إطاحة الفاطميين ، وبأهمية القاضي الفاضل لخطط صلاح الدين المستقبلية ، ولقد ظل صلاح الدين يجني ثمرة اختياره القاضي الفاضل وزيراً له حتى وفاته ، ولقد كانت أعمال القاضي الفاضل في الإدارة المصرية منذ عهد أسد الدين ، وأقواله في كتاباته في عهد صلاح الدين تشير إلى دوره الكبير في دعم الوجود السُّنِّي في مصر.

ولقد سعى من خلال مخطط سنِّيٍّ واسع للقضاء على عوامل الانقسام الديني في العالم الإسلامي، وحماية مصر من الاجتياح الفرنجي، واستعادة فلسطين، وقد واتته الفرصة لتحقيق هذه الأهداف مع صلاح الدين، وسارع إلى تحقيقها (القاضي الفاضل، هادية شكيل، ص141).

فقد رأى في صلاح الدين مثالاً للقائد القادر على أن ينقذ مصر من الخطر الفرنجي من ناحية، وأن يقدِّم لأمته الكثير، ولذلك منح صلاح الدين مصادره الوافرة من معلومات، وتجربة، وإدارة، وأدب، وشعر، وأسَّس بمساعدته، والتعاون معه شيئاً من الاستقرار الداخلي لمصر بعد كلِّ ما دهاها، ودهى شعبها من محنٍ، ومصائب.

وأدرك صلاح الدين: أنَّ القاضي الفاضل إنسانٌ عظيم عقلاً، وعلماً، ومكانة، وفي إمكانه أن يوصله إلى أهدافه في مصر من خلال مصادره الوافرة. وهكذا تضافر الرجلان على تحقيق غايةٍ كبرى أحسَّا بها، فعمل كلٌّ في ميدانه على تحقيقها.

لقد كان القاضي الفاضل سياسياً، ورجلَ دولة عظيماً، جمع بين واقعه السياسي، ومرونته، ودهائه، وبين هدفٍ كبيرٍ نذر نفسه له، وصبر مع الأيام لتحقيقه، واستنشق رياح التاريخ حين هبَّت، واعتقد: أنَّ طريق الإسلام هو طريق أهل السُّنة، وكلُّ طريقٍ غيره لا يوصل إِلا إلى الخلاف، وتبديد الإيمان، والقوى. وما غابت أرض فلسطين عن باله، وعندما لاحت فرصة استعادتها، وأيقن بصدق صلاح الدين في الجهاد من أجلها؛ اشتدَّت عزيمته، وشُدت رحاله، ولئن أوصله اختياره إلى سدَّةٍ عاليةٍ، فأصبح في دولة صلاح الدين وزير الدولة، والرجل الثاني فيها، فإنَّه حقق بذلك كل ما يطمح رجلُ السياسة إليه من نجاح أهدافه، وقضيته بمساهمته في التخطيط، والعمل، كما حقَّق نجاحه هو، وعلوَّ أمره، وتلك مطابقةٌ تشهد له بالمواهب العريضة، والدَّهاء الفائق. (صلاح الدين الأيوبي، د. علي الصلابي، ص303).

كان القاضي الفاضل المتحدَّث الرسمي بلسان السُّلطان صلاح الدين في الدَّاخل، والخارج، وكان على حدِّ قول ابن كثير: أعزَّ عليه من أهله، وولده (البداية والنهاية نقلاً عن دور الفقهاء والعلماء ص132). وكان السُّلطان يشيد بفضله، فيقول: لا تطنُّوا أني ملكت البلاد بسيوفكم، بل بقلم الفاضل (النجوم الزاهرة، ابن تغرى (6/157)).

وقد بلغ القاضي الفاضل مكانةً سامية في الدَّولة، فكان الساعد الأيمن لصلاح الدين؛ إذ جعله: وزيره، ومشيره بحيث كان لا يُصدر أمراً إلا عن مشورته، ولا ينفذ شيئاً إلا عن رأيه، ولا يحكم في قضيةٍ إلا بتدبيره. (دور الفقهاء والعلماء ص 132).

إنَّ هذا العالم الرَّباني يعلِّمنا دروساً مهمة، منها: عدم الانعزال عن الشأن العام، والعمل الاجتماعي، والحكومي، والحرص على كسب الخيرات، وأهمية التميُّز في أداء العمل، والتمسُّك بمنهج أهل السنة، والتعاون مع إخوانه في العقيدة الصحيحة، وتوظيف القدرات، والإمكانات لخدمة المشروع السُّنِّي؛ فقد قدَّم لصلاح الدين النماذج السنية القيادية، والخطط العملية، ولم يبخل عليه برأيٍ، ولا مشورةٍ. ولا تجربةٍ، كما أنَّ حياة هذا الرَّجل مدرسةٌ في فهم مقاصد الشريعة، وفقه المصالح، والمفاسد، وبناء الدولة، وزوالها، كما نتعلَّم منه.

وهو الرَّجل المفكر، والمفتي، الكبير في دولة صلاح الدين ـ أهمية معاملة عامَّة الشيعة بقوانين العدل، ومحبة الخير لهم، وعدم سفك دمائهم، والحرص على تعليمهم، وإنما يكون استخدام القوَّة ضدَّ المؤامرات، والتكتُّلات العسكرية، ومع من لا يجدي معهم إلا استخدام القوَّة.

(صلاح الدين الأيوبي، مرجع سابق، ص304).

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

المراجع:

§    صلاح الدين الأيوبي "وجهوده في القضاء على الدولة الفاطمية وتحرير بيت المقدس"، د. علي محمد محمد الصلابي، دار ابن كثير – دمشق، ط1، 1430هـ - 2009م.

§    الخطط للمقريزي.

§    القاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني العسقلاني، هادية دجاني شكيل، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، الطبعة الثانية، بيروت 1999 م.

§    البداية والنهاية للحافظ عماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن كثير القرشي، دار هجر، الطبعة الأولى 1419 هـ 1998 م.

§    النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة، ابن تغري بردي جمال الدين أبو المحاسن يوسف.

§    دور الفقهاء والعلماء في الجهاد ضد الصليبيين خلال الحركة الصليبية، د. اسيا سليمان نقلي، مكتبة العبيكان 2002 م.


: الأوسمة


المرفقات

التالي
النسوية وإهلاك النسل
السابق
مِنْ جِرَاحِ المَعَارِكِ إِلَى بِنَاءِ الأُسْرَةِ وَحِمَايَةِ الضُّعَفَاءِ

مواضيع مرتبطة

البحث في الموقع

فروع الاتحاد


عرض الفروع