غزة… حين انتصر الدعاء على الدمار
بقلم: رولا أديب السيد
عضو الاتحاد العالمي
لعلماء المسلمين
في شتاءٍ ثقيلٍ مرّ على غزة، كان الدخان يعلو من
كل بيت، والبرد يطرق الأبواب بلا استئذان، والأطفال ينامون على وعود الغد.
تحت الركام كانت تُسمع أنفاس الأمل، وفي الظلام
كانت الشموع الصغيرة تصنع نهارًا جديدًا.
مرّت الأيام ثقيلة، بين فقدٍ ودمعٍ وصبرٍ طويل…
ثم جاء اليوم الذي صمتت فيه السماء أخيرًا، لا قصف، لا صفارات، لا دماء على
الأرصفة.
منذ السابع من أكتوبر، ومنذ اللحظة التي انطلقت
فيها معركة طوفان الأقصى، تغيّر وجه التاريخ.
كانت غزة وحدها تقف في مواجهة آلةٍ لا تعرف
الرحمة، محاصَرة من البحر والبرّ والسماء، تُقصف ليلًا ونهارًا، لكنها لم تنحنِ.
في كل شارعٍ كان هناك حكاية بطولة، وفي كل بيتٍ
قصة فداء.
شبابٌ خرجوا من بين الأزقة مؤمنين أن الأرض
تُستردّ بالإيمان لا بالخوف، وأمهاتٌ زغردن رغم فقد الأحبّة لأنهن أيقنّ أن من مات
لأجل وطنه حيٌّ عند ربّه.
انقطعت الكهرباء، شحّ الماء، سقطت البيوت فوق
ساكنيها، لكن غزة ظلّت تنبض.
في كل قصفٍ، كانت تُولد صلاة.
في كل ركام، كانت يدٌ تُنقذ، وأخرى ترفع راية.
حتى الأطفال الذين عرفوا الحرب قبل اللعب، ظلّت
عيونهم تحمل ضوءًا لا يُطفئه دخان.
ثم جاء الهدوء…
هدوءٌ غريب كأن المدينة كلها تُصغي إلى قلبها.
خرج الناس بخطواتٍ مترددة، ينظرون إلى السماء
التي طالما صبّت نارها عليهم، فإذا بها صافية، كأنها تعتذر.
المدينة التي نامت على الألم استيقظت على السلام.
وحينها فقط، فهم العالم أن غزة لم تُهزم، بل
انتصرت — لأن الدعاء كان أقوى من الدمار، ولأن الله لم يتركها يومًا.
يا غزة، يا وجع الأرض وكرامتها… كم مرة ظنّوا
أنكِ سقطتِ، فإذا بكِ تنهضين من بين الرماد، أقوى، أنقى، وأقرب إلى الله.
انتصارك لم يكن في هدير السلاح، بل في سكون
القلوب المؤمنة التي صبرت واحتسبت.
في دمعة أمٍّ لم تنكسر، في طفلٍ فقد بيته ولم
يفقد ابتسامته، في رجلٍ نجا من الموت ليبني من جديد.
لقد انتصرتِ لأنكِ علمتِ العالم أن الدعاء سلاح،
وأن الصبر جدار لا تهدمه القنابل، وأن الله لا يخذل من وثق به.
انتصاركِ ليس رقمًا في اتفاق، بل وعدٌ من السماء
أن الحقّ مهما غاب، سيعود مشرقًا كالفجر بعد ليلٍ طويل.
سلامٌ عليكِ يا غزة،
سلامٌ على شهدائكِ الذين خطّوا النور بدمائهم،
وعلى أمهاتكِ اللواتي زغردن رغم الدمع،
وعلى أطفالكِ الذين علّمونا أن الأمل يولد حتى
من بين الأنقاض.
اللهم احفظ غزة وأهلها،
واجعل سلامها دائمًا لا يُقطع،
وعوضها عن كل وجعٍ بجبرٍ يليق بصبرها