الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين: اجتهاد جماعي لزمن معقد
بقلم: أحمد شوقي عفيفي
داعية إسلامي وكاتب بنغالي
لم تعد
الأسئلة التي تواجه الأمة الإسلامية في زمننا الراهن امتدادا بسيطا لأسئلة الأمس،
ولا غدا من الممكن مقاربتها بالأدوات ذاتها التي صيغت لعصور أقل تعقيدا وأهدأ
إيقاعا.
فقد تبدل
العالم في بنيته، وتحولت الدولة في وظائفها، وتشابكت المصالح على نحو غير مسبوق،
وتداخل المحلي بالعالمي حتى تلاشت الحدود بين الداخل والخارج، وبين الخاص والعام.
وفي خضم
هذا التحول العميق، لم يعد الدين، في كثير من السياقات، يستحضر بوصفه منظومة قيمية
جامعة تهدي الإنسان وتضبط المسار، بل جرى توظيفه أحيانا كأداة صراع سياسي وإعلامي،
تنتزع نصوصه من سياقاتها، وتستثمر رموزه لخدمة مشاريع متناقضة.
وأمام
هذا المشهد المرّكب، لم يعد الاجتهاد مجرد ممارسة فقهية تقنية، تنتج أحكاما جزئية
بمعزل عن السياق، بل أصبح فعلا حضاريا بامتياز، وموقفا أخلاقيا واعيا، ومسؤولية
تاريخية ثقيلة، تتجاوز الجواب إلى بناء الوعي، وتتخطى الفتوى إلى ترشيد المسار.
ومن هنا،
تبرز أهمية الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
بوصفه محاولة واعية لإعادة بناء وظيفة الاجتهاد في زمن معقد، اجتهاد ينتقل من عزلة
الفرد إلى رحابة الجماعة العالمة، ومن ردود الأفعال الآنية إلى الرؤية المتبصرة،
ومن الأحكام الجزئية المتناثرة إلى المقاربة الكلية التي تستوعب النص والواقع،
وتحفظ المقاصد، وتراعي المآلات.
أولا: تحول العالم وتحول الفقه
العالم
الذي نعيش فيه اليوم ليس امتدادا زمنيا بسيطا لعالم الأمس، بل هو عالم مغاير في
بنيته ووظائفه وآليات اشتغاله.
فالدولة
الحديثة لم تعد كيانا بسيطا ذا حدود واضحة، بل غدت شبكة معقدة من المؤسسات،
والتشريعات، والمواثيق الدولية.
والاقتصاد
لم يعد محصورا في الإطار المحلي، بل صار عابرا للحدود، تتحكم فيه منظومات عالمية
وتشابكات مالية معقدة.
والإعلام
لم يعد مجرد ناقل محايد للخبر، بل تحول إلى قوة فاعلة في صناعة الرأي العام وتوجيه
الوعي الجمعي.
أما
التكنولوجيا، فلم تعد أداة مساعدة في يد الإنسان، بل أضحت فاعلا أخلاقيا يعيد
تشكيل الإنسان ذاته، وأنماط تفكيره، وحدود اختياراته.
وفي ظل
هذا التحول العميق، لم يعد ممكنا مقاربة القضايا الكبرى بعقل فقهي جزئي، ولا بمنطق
النقل المجرد المنفصل عن سياقه. فقضايا من قبيل الاستبداد السياسي، والاحتلال،
والهوية، والعدالة الاجتماعية، والعيش المشترك، والهندسة الوراثية، والاقتصاد
العالمي، والعلاقات الدولية، كلها نوازل مركبة، تستدعي اجتهادا متكاملا، يزاوج بين
النص والمقاصد، ويوازن بين الثوابت والمتغيرات، ويجمع بين صلابة المبدأ ووعي
الواقع، دون إخلال بالأصول ولا انبهار بالتحولات.
ثانيا: حدود الاجتهاد الفردي في عصر التعقيد
لا ريب
أن الاجتهاد الفردي كان عبر تاريخ الفقه الإسلامي ركنا ركينا، قامت عليه مدارس
ومذاهب، وتكونت في ظلاله ثروة علمية عميقة أسهمت في توجيه حياة الأمة قرونا طويلة.
غير أن الأمانة العلمية تفرض اليوم الاعتراف بأن الشروط الموضوعية التي أتيح فيها
ذلك الاجتهاد لم تعد قائمة على النحو الذي كانت عليه، إذ بات الواقع المعاصر أكثر
تشابكا وتعقيدا مما يطيقه نظر فرد واحد، مهما بلغ من سعة العلم ورسوخ الفهم.
فالفقيه
اليوم يواجه نوازل تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والقانونية والتقنية،
وتتشابك فيها المصالح والآثار تشابكا لا ينفك بعضه عن بعض. وأي حكم يستنبط في غياب
هذا الوعي المركب قد ينقلب، من حيث لا يراد، من أداة إصلاح إلى سبب اضطراب، ومن
باب رفع الحرج إلى مدخل لزيادة التعقيد.
ومن هنا،
فإن الدعوة إلى الاجتهاد الجماعي لا تمثل انتقاصا من مكانة المجتهد الفرد، ولا
إلغاء لدوره العلمي، بل هي انتقال واع من العزلة إلى التكامل، ومن الانفراد بالرأي
إلى تشارك المسؤولية، صيانة للفقه من التبسيط المخل، وحماية للاجتهاد من أن يحاصر
بحدود فردية في زمن تتسع فيه الأسئلة وتتشعب فيه الوقائع.
ويؤكد
الفكر المقاصدي المعاصر أن إدراك المقاصد الكلية للشريعة يتجاوز قدرة الاجتهاد
الفردي، لأنه يتطلب قراءة شاملة للنصوص، واستيعابا للسياقات، وموازنة دقيقة بين
المصالح والمفاسد، وهو ما لا يتحقق إلا في إطار اجتهاد جماعي منضبط.
ثالثا: الاجتهاد الجماعي بوصفه عقل الأمة
الاجتهاد
الجماعي ليس مجرد اجتماع عددي لعلماء في إطار واحد، بل هو قبل ذلك منهج في
التفكير، وأفق في صناعة الموقف، يقوم على المداولة الرشيدة، وتكامل الآراء،
واحترام التخصصات، واستحضار المقاصد الكلية للشريعة. وهو في جوهره انتقال واع من
منطق رأي العالم إلى مفهوم عقل الأمة، ومن الحكم المنفرد إلى تحمل المسؤولية
المشتركة.
وفي هذا
السياق، يبرز الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بوصفه فضاء علميا جامعا، يلتقي فيه
تنوع المدارس الفقهية، وتعدد الخلفيات الثقافية، واختلاف التجارب الميدانية، بما
يتيح بلورة خطاب فقهي أكثر اتزانا، وأعمق التصاقا بالواقع، وأقل عرضة للتوظيف
الانتقائي أو الاختزال المخل. ففي هذا التلاقي المنهجي، يتجدد الاجتهاد، ويتحرر
الفقه من ضيق الفرد إلى سعة الجماعة، ومن محدودية الزاوية الواحدة إلى رحابة
الرؤية الجامعة.
رابعا: الاتحاد كاستجابة تاريخية لا كخيار تنظيمي
لم يأت
الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بوصفه ترفا تنظيميا، ولا استجابة لموجة مؤسساتية
عابرة، بل ولد من رحم لحظة تاريخية حرجة، تميزت بتراجع المرجعيات العلمية
التقليدية، وصعود فتاوى مسيسة، وانتشار خطاب شعبوي، أفرغ فيه الدين من عمقه
المعرفي، وحول إلى أداة تعبئة أو وسيلة تبرير.
وفي هذا
الفراغ المرجعي، برز الاتحاد كمحاولة جادة لإعادة الاعتبار إلى العلماء بوصفهم
مرجعية أخلاقية وفكرية مستقلة، لا تتحرك في ظل إرادة سلطة، ولا تنطق بلسان نظام،
ولا تخضع لإملاءات سياسية، ولا تساوم على المبادئ مقابل حماية أو امتياز. فهو
تعبير عن حاجة تاريخية ملحة إلى صوت علمي حر، يستعيد للعلم مكانته، وللفتوى
هيبتها، وللدين دوره بوصفه هاديا للقيم لا تابعا لموازين القوة.
خامسا: زمن الفتن واختبار البيان
لم تعد
الفتنة في عصرنا واقعة استثنائية عابرة، بل تحولت إلى حالة مستدامة، تتغلغل في
المفاهيم، وتختل بها القيم، ويصاب معها الخطاب الديني نفسه بالتشويش والانحراف.
ففي كل يوم يستدعى النص ليكون غطاء للقمع، أو زينة للظلم، أو وسيلة لإضفاء شرعية
مصطنعة على سياسات جائرة، حتى غدا التلاعب بالدين جزءا من مشهد الاضطراب العام.
وفي مثل
هذا المناخ المأزوم، لا يعود الصمت فضيلة، بل يصبح خيانة علمية، ولا يكون الحياد
موقفا متزنا، بل تواطؤا غير معلن مع تحريف المعنى وتشويه المقصد. ومن هنا، فإن
مواقف الاتحاد، مهما تعددت حولها القراءات وتباينت بشأنها الآراء، ينبغي أن تفهم
في إطار واجب البيان الشرعي، لا في سياق التدخل السياسي أو المنازعة السلطوية.
فالعلماء، في التصور الإسلامي، ليسوا شهود زور، ولا موظفين لدى السلطة، بل هم ورثة
الأنبياء، ووظيفتهم الأصيلة قول الحق وتجليته للناس، لا تبرير الواقع ولا تجميل
الظلم.
سادسا: بين الشجاعة والحكمة
الاجتهاد
الجماعي لا يعني اندفاعا أعمى، كما أن الحكمة لا تساوي المساومة، فلكل منهما مجاله
وحدوده. والتحدي الأعظم الذي يواجه أي مؤسسة علمية مستقلة يتمثل في تحقيق التوازن
الدقيق بين الجهر بالحق ومراعاة المآلات، وبين الثبات على المبدأ واستيعاب تعقيدات
الواقع وتشابكاته.
وقد حرص
الاتحاد، في كثير من مواقفه، على السير على هذا الخيط الرفيع، مدركا أن الكلمة غير
المحسوبة قد تستثمر ضد الأمة، وأن الصمت غير المبرر قد يقرأ بوصفه تسليما بالباطل.
وتلك معادلة شاقة، لكنها ليست عارضا استثنائيا، بل هي جزء أصيل من طبيعة الاجتهاد
في زمن الفتن، ودليل على وعي بالمسؤولية لا علامة ضعف أو ارتباك.
سابعا: الاستقلالية وثمنها
لا يوجد
اجتهاد جماعي مستقل بلا كلفة، ولا مؤسسة علمية حرة دون ثمن تدفعه. فكل جهة ترفض
الارتهان لخطاب السلطة، أو تأبى تديين الواقع وتبرير القائم، أو تصر على الاحتفاظ
بمسافة نقدية أخلاقية، تكون عرضة حتمية للتشويه، وسهام الاتهام، وربما لمحاولات
الإقصاء والتهميش.
وقد واجه
الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين هذا الثمن بوضوح ووعي، إذ تعرض لحملات منظمة
استهدفت نزع شرعيته، والتشكيك في مقاصده، وتصويره بوصفه طرفا سياسيا لا مرجعية
علمية. غير أن هذه الحملات، في كثير من الأحيان، لم تكن دليلا على تعثره، بقدر ما
كانت شاهدا على فاعليته وتأثيره، فالخطاب الذي لا يزعج أحدا، غالبا ما يكون خطابا
بلا وزن، ولا يترك في الواقع أثرا يذكر.
ثامنا: الاجتهاد الجماعي بين الخطأ والصواب
من الخطأ
إضفاء صفة العصمة على الاتحاد، أو على أي مؤسسة علمية أخرى، فالاجتهاد في حقيقته
فعل إنساني، يتأرجح بين الصواب والخطأ، ويتأثر بالسياقات المتغيرة، ويظل محتاجا
إلى مراجعة دائمة وتقويم مستمر. غير أن موطن التمييز الحقيقي لا يكمن في ادعاء
الكمال، بل في سلامة المنهج، ورسوخ الآلية، ووضوح المعايير.
فالخطأ
الذي يصدر عن اجتهاد جماعي منضبط، قائم على المداولة العلمية، ومنفتح على النقد،
وقابل للمراجعة والتصحيح، أهون بكثير من الخطأ المتولد عن فتوى فردية متعجلة، أو
خطاب ديني مسيس، أو رأي إعلامي منفلت من أي أساس علمي رصين. وفي هذا الفارق
الجوهري تتجلى قيمة الاجتهاد الجماعي، لا باعتباره مسارا معصوما، بل بوصفه الطريق
الأقرب إلى ترشيد الفتوى، وتقليل الانحراف، وحماية الوعي العام من التبسيط
والتسييس.
تاسعا: نحو فقه يواكب المستقبل
لا يقتصر
دور الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين على التعامل مع أزمات الحاضر أو معالجة
اختلالاته الآنية، بل يتجاوز ذلك أو ينبغي له أن يتجاوز إلى استشراف آفاق المستقبل
واستباق أسئلته المصيرية. فالعالم يقف على أعتاب تحولات أخلاقية عميقة، تمس جوهر
تعريف الإنسان، وحدود التقنية المتسارعة، ومعنى الحياة، ومفاهيم العدالة والحرية
في سياقات غير مسبوقة.
وفي هذا
الأفق المتغير، يغدو الاجتهاد الجماعي أداة لتأسيس فقه المستقبل، لا مجرد آلية
لإطفاء حرائق اللحظة أو إدارة الطوارئ الفكرية. فالأمة اليوم أحوج ما تكون إلى
رؤية فقهية تتقدم مع الزمن دون أن تذوب فيه، وتنفتح على العالم بالحوار والفهم دون
أن تفقد ذاتها أو تتخلى عن مقوماتها، رؤية تجمع بين الأصالة والقدرة على التجدد،
وتمنح الفقه دورا فاعلا في صياغة إنسان الغد وقيمه.
ضرورة تاريخية لا غنى عنها:
إن
الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، بما له وما عليه، يجسد محاولة جادة لإحياء فقه
الجماعة، واستعادة الدور التاريخي للعلماء، في زمن تتنازع فيه المرجعيات، وتتشابك
الأصوات، وتستثمر فيه الفتوى لخدمة منطق القوة لا ميزان الحق.
وفي واقع
معقد كهذا، لا تملك الأمة ترف الاستغناء عن الاجتهاد الجماعي، ولا رفاهية الارتداد
إلى فردية معزولة، ولا خيار لها سوى بناء مؤسسات علمية مستقلة، قادرة على وصل النص
بالواقع، وربط المقاصد بالمآلات، وتحقيق التوازن بين الشجاعة والحكمة، وبين الجهر
بالحق وحسن تقدير العواقب.
وليس
الاجتهاد الجماعي وصفة سحرية لحل جميع الأزمات، لكنه شرط لازم لأي نهضة فكرية
جادة، ومدخل لا غنى عنه لاستعادة الدور الأصيل للدين، بوصفه قوة تحرير وبناء، لا
أداة قهر أو وسيلة تبرير.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*
ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي
الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
المراجع:
1. الاجتهاد
الجماعي في الإسلام
د. يوسف
القرضاوي
2. الاجتهاد
في الشريعة الإسلامية
د. يوسف
القرضاوي
3. مقاصد
الأحكام الفقهية: تاريخها ووظائفها التربوية والدعوية
د. وصفي
عاشور أبو زيد