البحث

التفاصيل

سورة الكهف في خريطة ميلاد الأمة

الرابط المختصر :

سورة الكهف في خريطة ميلاد الأمة

(الحلقة الثامنة)

بقلم: التهامي مجوري

عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

 

*  سورة الكهف في خريطة ميلاد الأمة ح 1

* سورة الكهف في خريطة ميلاد الأمة ح 2

* سورة الكهف في خريطة ميلاد الأمة ح 3

* سورة الكهف في خريطة ميلاد الأمة ح 4

* سورة الكهف في خريطة ميلاد الأمة ح 5

* سورة الكهف في خريطة ميلاد الأمة ح 6

* سورة الكهف في خريطة ميلاد الأمة ح 7

 

 

هذا الكتاب

الكتاب من القضايا المركزية في الرسالة الخاتمة، وقد ورد ذكره في القرآن حوالي 230 مرة، منها مرتين في سورة الكهف، وقد بقي التذكير به في جميع مراحل التأسيس للأمة، فلم يكتف بذكره في المرحلة المكية في الطور التأسيسي للرسالة، وإنما صاحب المسيرة في جميع مراحلها، ففي سورة البقرة وحدها ذكر الكتاب ثلاثا وثلاثين مرة، مما يعني أن لهذا الكتاب أهمية متعددة الجوانب.. منها كونه وحي الله إلى نبيه عليه الصلاة والسلام هداية للبشرية، ومنها كونه مصدرا معرفيا لا يستغنى عنه كأساس معرفي تقتضيه طبيعة التفاعل مع الواقع، وما له من علاقات خفية بالمصير الإنساني والقدر الإلهي...

وأغلب إطلاقات هذا اللفظ على القرآن الكريم، وبعضها أطلق على الكتب السابقة وعلى اللوح المحفوظ والقدر الإلهي، كما أطلق على الحكم أو الفرض كما في قوله تعالى: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۖ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ۚ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ ۚ فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا) [النساء 24]

"إنزال الكتاب نعمة عليه -صلى الله عليه وسلم- ونعمة علينا، أما كونه نعمة عليه فلأنه تعالى أطلعه بواسطة هذا الكتاب الكريم على أسرار علوم التوحيد والتنزيه وصفات الجلال والإكرام وأسرار أحوال الملائكة والأنبياء وأحوال القضاء والقدر، وتعلق أحوال العالم السفلي بأحوال العالم العلوي، وتعلق أحوال عالم الآخرة بعالم الدنيا، وكيفية نزول القضاء من عالم الغيب، وكيفية ارتباط عالم الجسمانيات بعالم الروحانيات، وتصير النفس كالمرآة التي يتجلى فيها عالم الملكوت وينكشف فيها قدس اللاهوت فلا شك أن ذلك من أعظم النعم، وأما كون هذا الكتاب نعمة علينا فلأنه مشتمل على التكاليف والأحكام والوعد والوعيد والثواب والعقاب، وبالجملة فهو كتاب كامل في أقصى الدرجات فكل واحد ينتفع به بمقدار طاقته وفهمه فلما كان كذلك وجب على الرسول وعلى جميع أمته أن يحمدوا الله عليه فعلمهم الله تعالى كيفية ذلك التحميد فقال: (الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب) ثم إنه تعالى وصف الكتاب بوصفين فقال: ولم يجعل له عوجا قيما وفيه أبحاث:

البحث الأول: أنا قد ذكرنا أن الشيء يجب أن يكون كاملا في ذاته ثم يكون مكملا لغيره ويجب أن يكون تاما في ذاته ثم يكون فوق التمام بأن يفيض عليه كمال الغير إذا عرفت هذا فنقول في قوله: (ولم يجعل له عوجا) إشارة إلى كونه كاملا في ذاته وقوله: (قيما) إشارة إلى كونه مكملا لغيره لأن القيم عبارة عن القائم بمصالح الغير ونظيره قوله في أول سورة البقرة في صفة الكتاب: (لا ريب فيه هدى للمتقين) [البقرة: 2] فقوله: (لا ريب فيه) إشارة إلى كونه في نفسه بالغا في الصحة وعدم الإخلال إلى حيث يجب على العاقل أن لا يرتاب فيه وقوله: (هدى للمتقين) إشارة إلى كونه سببا لهداية الخلق وإكمال حالهم فقوله: (ولم يجعل له عوجا) قائم مقام قوله: (لا ريب فيه) وقوله: (قيما) قائم مقام قوله: (هدى للمتقين) وهذه أسرار لطيفة.

البحث الثاني: قال أهل اللغة العوج في المعاني كالعوج في الأعيان، والمراد منه وجوه: أحدها: نفي التناقض عن آياته كما قال: (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) [النساء: 82]. وثانيها: أن كل ما ذكر الله من التوحيد والنبوة والأحكام والتكاليف فهو حق وصدق ولا خلل في شيء منها البتة"[1]

التعريف بالكتاب

المراد بالكتاب هنا هو القرآن الكريم، والقرآن هو الكتاب الذي أنزل على محمد خاتم الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وهو الذي بين دفتي المصحف نقرؤه ونحفظه ونتدارسه، ورغم تحفظ العلماء في وضع تعريف له لكونه كلام الله الذي ليس كمثله شيء، إلا أن ضرورة تقريبه إلى أذهان الناس يتطلب تعريفا يليق بمعانيه السامية، فعرفوه بقولهم هو "كلام الله المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم المتعبد بتلاوته"[2]، فهو كلام الله الذي ليس كمثله كلام، فألفاظه عربية متداولة ومعانيها دارجة بين أهل اللسان، ولكن معانيه مطلقة غير محدودة بزمان أو مكان أو حال؛ لأن كلام الله ليس كمثله كلام، ومن خصائص هذا الكتاب التعبد بتلاوته، فمجرد تلاوته عبادة، ذلك هو الكتاب الذي أنزله الله على محمد صلى الله عليه وسلم.  

الكتاب والكتب السابقة

لم تكن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم في مكة منطلقة من فراغ، وإنما هي امتداد لرسالات الأنبياء والرسل السابقين كما جاء في الحديث "إن ‌مثلي ‌ومثل ‌الأنبياء من قبلي، كمثل رجل بنى بنيانا فأحسنه وأجمله، إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه، فجعل الناس يطوفون به، ويعجبون له، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ قال: فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين"[3]، فكانت بعثته عليه الصلاة والسلام تتمة لمسيرة الأنبياء والرسل جميعا، وقد كانت إشارات ورقة بن نوفل إلى ذلك عندما ذهبت إليه خديجة رضي الله عنها تستوضحه في أمر محمد صلى الله عليه وسلم، كما جاء في حديث بدء الوحي، قوله لمحمد بن عبد الله نبي هذه الأمة بعد ذلك: "والذي نفسي بيده، إنك لنبي هذه الأمة، ولقد جاءك الناموس الأكبر الذي جاء موسى ولتكذبنه ولتؤذينه ولتخرجنه ولتقاتلنه، ولئن أنا أدركت ذلك اليوم لأنصرن الله نصرا يعلمه"[4] 

ومن ثم فإن الكتاب الذي جاء به، كتاب جامع لنبوات الأنبياء جميعا، ومضامينه شاملة للقيم التي عملوا على تقريرها مع أقوامهم جميعا، ومن ثم كان من صفات المؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم كما تقرر منذ البداية الإيمان بجميع الكتب وجميع الأنبياء والرسل (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ۚ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) [البقرة 285]، إذ لا فرق بينهم في مبدإ التوحيد وغاياته (يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكُمْ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ) [البقرة: 4].

" قالت قريش لليهود: أعطونا شيئا نسأل عنه هذا الرجل، فقالوا: سلوه عن الروح، فسألوه عن الروح، فأنزل الله تعالى: (ويسألونك عن الروح قل: الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) قالوا: أوتينا علما كثيرا، أوتينا التوراة، ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيرا كثيرا، فأنزل الله: (قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا) [‌الكهف: 109]"[5].

وما كان من اختلاف في الشرائع بين النبوات والرسالات السماوية إنما كان في تفاصيل الحياة التي لا تستقر على وجه، لضرورات منهجية اقتضتها طبيعة المراحل التاريخية والأقوام وما بينهم من فروق ثقافية وعادات وتقاليد وطبائع (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ۚ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) [المائدة 48]، وقد اكتملت الصورة النهائية للوحي التي ليس بعدها تغيير أو تعديل إلى قيام الساعة.

فهذا الكتاب هو خاتمة الكتب الذي تضمن جميع ما جاء به الأنبياء كلهم، وقد تضمن كل ما يحتاج إليه الإنسان مع معرفة تتعلق بالغيب الذي لا تحسم فيه جهة غيره (ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَىٰ عَبۡدِهِ ٱلۡكِتَٰبَ وَلَمۡ يَجۡعَل لَّهُۥ عِوَجَاۜ * قَيِّمٗا لِّيُنذِرَ بَأۡسٗا شَدِيدٗا مِّن لَّدُنۡهُ وَيُبَشِّرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ أَجۡرًا حَسَنٗا) [الكهف 1 - 2].

وتضمن سورة الكهف الإشارة إلى أهل الكهف وتعلقهم بدينهم ومخالفتهم قومهم، إشارة إلى هذا الانتقال من الشرائع السابقة ومن الكتب السابقة والأنبياء السابقين إلى الرسالة الخاتمة -رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، والكتاب الخاتم الذي هو هذا الكتاب.

ولذلك لم يقف هذا الكتاب عند حدود كونه كتابا جاء بشريعة وحسب كما كانت التوراة والإنجيل، وإنما هو معجزة الرسالة الخاتمة، التي تضمنت النبوة أيضا؛ لأن النبوة انقطعت بعد محمد، بحيث أصبح الكتاب هو النبوة والمعجزة والمقرِّر لعلاقة المؤمنين بالله وباليوم الآخر... فلا نبي بعد محمد ولا رسول، وإنما هو هذا الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يدي ولا من خلفه.

يتبع

 



[1]- تفسير الرازي

[2]- مناع القطان، مباحث في علوم القرآن، ص 16

[3]- أخرجه البخاري ومسلم، عن أبي هريرة، جامع الأصول رقم   6340

[4]- سيرة ابن هشام

[5]- أخرجه الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما، جامع الأصول رقم 702


: الأوسمة


المرفقات

التالي
تصريح من الأمانة العامة حول استقالة فضيلة الأستاذ الدكتور محمد غورمز
السابق
البيان الختامي للاجتماع السادس لمجلس الأمناء للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

مواضيع مرتبطة

البحث في الموقع

فروع الاتحاد


عرض الفروع