حرمة رمضان بين
الفعل الفردي والإفساد العام: قراءة شرعية مقاصدية
بقلم: د. أحمد زقاقي
عضو الاتحاد العالمي لعلماء
المسلمين
صيام شهر رمضان شعيرة من شعائر الإسلام ، وركن من أركانه العظام،
وقربة إلى الله ذي الجلال، مقصدها تحقيق التقوى، وتطهير القلب، وتزكية الروح،
والإحساس بمعاناة السائلين والمحرومين والمستضعفين، ولشهر رمضان حرمةً في الفضاء
العام؛ تُصان بالحكمة والحياء، ويُبيَّن حكمها بالعدل والرفق، لكن كلما حل رمضان
ضيفا كريما، تعالت دعوات علنية استفزازية من طرف أفراد وتكثلات إلى المجاهرة
بإفطاره بدعوى الحرية، وتقتضي معالجة هذه الظاهرة القيام بثلاث خطوات: الأولى بيان
اندراجها في إطار استراتيجية تخريبية، والثانية بيان ضوابط مواجهتها، والثالثة
بيان حكمها بميزان الشرع والعقل والمصالح والمفاسد.
أولا: كسر الشعائر استراتيجية
تخريبية
إن المسلم في حالة ضعفه ورقَّة دينه يمكن أن
يَتلبَّس ببعض المعاصي والذنوب منها الإفطار عمدا في رمضان، فيُرتِّب الشرع حينئذ
على هذا السلوك المنحرف جزاءات وكفَّارات القصد من ورائها الزجر والردع، لكننا في
سياق هذا المسطور نختص بالتحليل مسألة انتقال الانحراف من سلوك فردي إلى فعل سياسي
وثقافي يتحول إلى حملة استفزاز ومجاهرة مُؤَدلجة لا مجرد ضعف شخصي، لاسيما عندما
يكون الغرض هو التحدي العلني وبعث رسائل ملغومة، كل هذا يُبرز ويدل على أن
الأمر يتعلق باستراتيجية تخريبية بضميمة المؤشرات التالية:
1. يتبع أصحاب تلك
الاستراتيجية التخريبية في جل الدول العربية والإسلامية "تكتيكا" واحدا
يبدأ بافتعال حدث صغير يُضخَّم إعلاميا ليَستدرج ردود فعل غاضبة، لتندلع في الأخير
حرب قيم تُطيح باستقرار البلاد والعباد، وتشوش على طمأنينة القلوب وسكينة النفوس،
وبذلك يتم تحويل الصيام من عبادة إلى "استقطاب".
2. تكرار سيناريو واحد مما
يُرجِّح ويُقوِّي فرضية التنسيق من خلال اعتماد التوقيت المتزامن، وتطابق الرسائل،
واستغلال شبكة حسابات وبنية نشر احترافية.
3. تقترن تلك الاستراتيجية
باستراتيجية أخرى هي استراتيجية الإلهاء، بمقتضاها يحُل الانشغالُ بمعارك رمزية
جانبية محلَّ الدفاع عن الحقوق، وفضح الفساد، ومواجهة الاستبداد، ومحاربة الفقر.
ثانيا: ضوابط المواجهة ومحاذير الانزلاق
إذا ظهر وتبيَّن بأن الأمر
لا صلة له بالدفاع الهادئ عن حق، بل له صلة بهدف خفي هو إحداث صدمة وإفقاد شعوب
الأمة الإسلامية المناعة ضد الفقر والفساد والاستبداد، والتمكين لتيارات التغفيل
عن الله والدار والآخرة وقضايا المسلمين والمستضعفين ﴿..وَلَا
تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ
أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: 28]، وإذا ظهر أيضا بأن الأمر لا يتعلق بمجرد
انحرافات شخصية في حالة ضعف، وبأن الاستفزاز يريد ردا غاضبا عنيفا ليكبر وجب
التقيد في مواجهة الاستراتيجية التخريبية بضوابط منها:
4. تفكيك الظاهرة بدل مطاردة
الأفراد، وتوجيه النقد إلى الاستفزاز كاستراتيجية لا إلى الأشخاص كذوات، وقد نهج
علماء السلف هذا السبيل عندما كانوا يفرقون بين "التكفير بالنوع" أي
الحكم على فعل ما أو قول بالكفر، و"التكفير بالمعين" فكانوا لا يلجؤون
إليه إلا بعد التأكد من انتفاء الموانع كالجهل أو التأويل، ومن هذا القبيل كان
الإمام أحمد رحمه الله يحكم على مقالات الجهمية بالكفر، ولكن كان لا يكفر أعيانهم،
مما يعني الابتعاد عن التكفير والسب والتشهير لأن الردود التكفيرية العنيفة وقود
مثالي للاستقطاب.
5. اجتناب التعميم وخلط
الفردي بالمنظم حتى لا يُظلم الناس ويزيد الاحتقان، فادعاء المظلومية يخدم
الشبكات.
6. العمل
بقاعدة "أميتوا المنكر بعدم ذكره"، أي تحجيم الاستفزاز باعتباره
"تشتيتا" لصرف الأنظار عن القضايا الكبرى.
ثالثا: الحكم بتبين شرعي وعقلي ومقاصدي
إن أهداف الشعائر التعبدية
تحقيق العبودية لله سبحانه والامتثال لأمره، وذكره وتعظيمه، وتزكية النفس
وتطهيرها، وتحفظ تلك الشعائر الدين والنفس والمال والعقل والعرض والاجتماع ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن
تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [سورة الحج: 32]، والسعي المنظم لنزع الشعائر هو في
الحقيقة حملة ومخطط لتقويض معالم الدين في المجتمع (ومن أظلم ممن منع مساجد الله
أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها) ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ
مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي
خَرَابِهَا ۚ..﴾ [البقرة: 114]، وبيان حكم السعي لنزع الشعائر يقتضي
التنبيه على أمور:
7. إن
رمضان موسم تعبدي جماعي، وخرقه استفزاز يفتح أبواب الفتنة، وفرض صومه ليس قهرًا
للضمائر بل صيانة للفضاء المشترك بما يحفظ من الأخلاق والحياء العام، واختبار
للطاعة والإخلاص، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (كل عمل ابن آدم له، إلا
الصوم فإنه لي وأنا أجزي به/ صحيح البخاري) فكم من مفطر متعمد يغلق عليه باب بيته
لا يسأل عنه أحد، والمتجسِّس عليه يعتبر آثما في حكم الشرع، ثم يخرج ذلك المفطر
إلى الناس محترما فضاءهم العام، يرجو مغفرة الله ورحمته، ويطلب توبة صادقة نصوحا،
فهذا حكمه ليس كحكم شبكات التخريب والاستفزاز التي قد ترقى جرائمها إلى مستوى
الإفساد في الأرض.
8. إن
وصفي "المجاهرة" و"الشبكية" إذا اقترنا بالمعصية ينتقلان
بالمنكر من "فعل خفي" إلى "سلوك مُشرعَن رمزيًا"، قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم:(كل أمتي معافى إلا المجاهرين/صحيح البخاري)، فالمجاهرة
تستنزف الرصيد الأخلاقي المشترك، وتُشيع السخرية من الشعائر، وتحول المجاهرة
الشبكية رمضان إلى ساحة صراع هوية بدل موسم تزكية وعدل، وتُضعف الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر بوصفه وظيفة مجتمعية راشدة.
خلاصة الكلام، وبناء على الاعتبارات
السالفة الذكر:
-
الإفطار العلني بلا عذر
منكرٌ في ذاته، ويشتدّ بالنشر والمجاهرة.
-
الدعوة الاستفزازية لكسر
الشعيرة منكرٌ أشدّ؛ لأنه اعتداء على الفضاء العام وإشاعة للمنكر وانتهاك لحرمة
الشهر الكريم.
-
تقتضي المصلحة فضح
الاستراتيجيات التخريبية بميزان العدل والإنصاف والتثبت، حتى لا تتحول المسألة إلى
ساحة تكفير أو فوضى أو ملاحقة ومطاردة للانحرافات الفردية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*
ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي
الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.