البحث

التفاصيل

القرآن وشباب الأمة: نداء البعث في زمن التيه (1)

الرابط المختصر :

القرآن وشباب الأمة: نداء البعث في زمن التيه (1)

بقلم: د. أسامة عيد

رئيس لجنة الشباب بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

 

بسم الله والحمد الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن وآله. وبعد،

إن الحديث عن الشباب اليوم ليس حديثًا عن فئة عمرية فحسب، بل عن مستقبل أمة، ومسؤولية دعوة، ومشروع حضاري ينتظر من يحمله بوعيٍ وإيمان.

وفي زمنٍ تتكاثر فيه الأصوات حتى تكاد تخنق السمع، وتتزاحم فيه الرؤى حتى تكاد تعمي البصيرة، يقف الشاب المسلم على مفترق طرق؛ تتجاذبه دعوات متباينة، ومناهج متصارعة، وصورٌ براقة تُعرض عليه في كل لحظة، حتى يغدو المعنى نفسه سلعةً تُستهلك، والقيم شعاراتٍ تُرفع ثم تُطوى.

في هذا المشهد المضطرب، يظل القرآن الكريم الكلمة الفاصلة التي لا تتوه في الضجيج، ولا تتغير بتغير الأزمنة، لأنه ليس خطاب مرحلة، بل خطاب فطرة؛ وليس وصفة ظرفية، بل منهاج حياة ووجود.

في غرفةٍ صغيرةٍ يضيئها وهجُ شاشة هاتف، يجلس شابٌّ في العشرين من عمره، يتنقّل بإبهامه بين عشرات المقاطع، يضحك قليلًا، يتجهم قليلًا، يُعجب بهذا، ويسخر من ذاك. تمرُّ أمامه عوالم كاملة في دقائق: نجاحٌ سريع، شهرةٌ خاطفة، جدالاتٌ صاخبة، صورُ حياةٍ تبدو مكتملة. ثم يُطفئ الشاشة، فيسود الصمت، ويعود إليه سؤالٌ ثقيل: إلى أين أمضي؟

إنه يمتلك معلوماتٍ كثيرة، لكنه لا يملك اتجاهًا. يبدو متصلًا بالعالم كله… لكنه منفصل عن نفسه. يحفظ عناوين، لكنه لا يعرف كيف الطريق.

وفي تلك اللحظة الفارغة بين ضوء الشاشة وعتمة الواقع، يكون القرآن أقرب ما يكون… لو فُتح.

﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: 9].

- يا شبابنا –

إن القرآن لم ينزل ليكون زينة رفوف، ولا ليبقى حبيس المناسبات والمواسم، بل نزل ليقود الحياة، ويعيد تشكيل الإنسان من الداخل؛ عقلاً يتفكر، وقلبًا يخشع، وإرادةً تتحرك في اتجاه الحق.

وليس القرآن كتابَ أفكارٍ تُقرأ فحسب، بل نورٌ يوقظ في القلب معنى الطريق. ما إن تلامس آياته قلبًا صادقًا حتى تبدأ فيه حركة خفية؛ حركة مراجعةٍ للأسئلة الكبرى:

من أنا؟ ولماذا أعيش؟ وإلى أين أمضي؟

ومن تلك اللحظة يبدأ التحول الحقيقي؛ فالهداية في القرآن تتنزل على القلب خطوةً بعد خطوة، حتى يصبح الإنسان غير الإنسان.

قال عبد الله بن المبارك: أخبرنا معمر، عن يحيى بن المختار، عن الحسن، قال: «إن هذا القرآن قد قرأه عبيد وصبيان لا علم لهم بتأويله، ولم يأتوا الأمر إلا من قبل أوله، قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: 29].

أما والله ما هو بحفظ حروفه وإضاعة حدوده، حتى إن أحدهم ليقول: والله لقد قرأت القرآن كله ما أسقطت منه حرفًا، وقد والله أسقطه كله، ما يرى له القرآن في خلقٍ ولا عمل. والله ما هؤلاء بالقراء، ولا العلماء، ولا الحلماء، ولا الورعة، ومتى كانت القراء مثل هذا؟! ألا لا أكثر الله في الناس مثل هؤلاء».

وحين نقرأ تاريخ البعثة، نجد أن أول من حملوا هذا النور كانوا شبابًا في مقتبل العمر، لم تصقلهم التجارب الطويلة، ولكن صقلتهم آيات تتنزل على قلوبهم فتقلب موازينهم، وتحررهم من عبودية العادات والتقاليد، وتربطهم برب السماء مباشرةً، بلا وسائط ولا قيود.

قال عبد الله بن مسعود: «كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن».

لقد صنع القرآن من الجيل الأول أمةً؛ لا لأنه أغدق عليهم المعجزات المادية، بل لأنه منحهم تصورًا جديدًا للحياة. علمهم أن الإنسان ليس جسدًا يسعى وراء لذة عابرة، ولا عقلًا يبحث عن جدلٍ فارغ، بل روحٌ مكرمة، خُلقت لغاية، وتسير إلى لقاء، وتُسأل عن عمل. وحين استقر هذا التصور في وجدانهم، تغيّر كل شيء: تغيرت علاقتهم بأنفسهم، وبالناس، وبالكون من حولهم. ومن هنا بدأ التحول الحقيقي.

ولعل أجمل ما يصف حال ذلك الجيل الذي تشكّل بالقرآن أن قلوبهم لم تكن أوعيةً للحروف فحسب، بل بساتينَ للهداية، تنبت فيها معاني الوحي كما تنبت الحياة في الأرض الطيبة. لقد عاشوا مع القرآن حتى صار روحهم التي يتنفسون بها، ونورهم الذي يهتدون به في ظلمات الطريق. ولقد عبّر بعض الشعراء عن هذا المعنى تصويرًا بليغًا حين وصف أهل القرآن الذين صاغتهم آياته وصنعت منهم رجالًا حملوا النور إلى العالمين، فقال:

أَكْـرِمْ بقـومٍ أَكْرَمُـوا القُرآنـا وَهَبُـوا لَـهُ الأرواحَ والأَبْـدَانـا

قومٌ قد اختـارَ الإلـهُ قلوبَهُـمْ لِتَصِيرَ مِنْ غَرْسِ الهُـدى بُسْتَانـا

زُرِعَتْ حُروفُ النورِ بينَ شِفَاهِهِمْ فَتَضَوَّعَتْ مِسْكـاً يَفِيـضُ بَيَانَـا

رَفَعُوا كِتابَ اللهِ فـوقَ رُؤوسِهِـمْ لِيَكُونَ نُوراً في الظـلامِ فَكَانـا

سُبحانَ مَنْ وَهَبَ الأُجورَ لأهْلِهَـا وَهَدى القُلُوبَ وَعَلَّـمَ الإنسانـا

لقد أدرك الجيلُ الأول من الصحابة رضوان الله عليهم أن القرآن الكريم ليس كتابَ تلاوةٍ فحسب، بل هو منهجُ حياةٍ، ومصدرُ هدايةٍ، وميزانُ عملٍ، وشاهدٌ يوم الحساب. ومن هنا جاءت وصاياهم الجامعة التي تكشف عن وعيٍ عميقٍ بمكانة القرآن في بناء الفرد والأمة.

فهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه يوجِّه الأمة بقوله: «وهذا كتاب الله فيكم، لا يُطفأ نوره، ولا تنقضي عجائبه، فاستضيئوا بنوره، وانتصحوا كتابه، واستضيئوا ليوم الظلمة».

إنها دعوةٌ إلى التعلُّق الدائم بالوحي، واستمداد النور منه في زمن الفتن، واستحضار اليوم الآخر عند التعامل مع آياته.

أما عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقد كان يُجِلُّ أهل القرآن ويقرِّبهم، حتى قيل: «وكان جلساء عمر أهل القرآن كهولًا كانوا أو شبابًا».

وهو الذي كان يحثُّ الناس بقوله: «إن هذا القرآن كائن لكم أجرًا، وكائن لكم شرفًا وذخرًا، فاتبعوه ولا يتبعنكم، فإنه من اتبعه القرآن زخَّ في قفاه حتى يقذفه في النار، ومن تبع القرآن ورد به جنات الفردوس، فليكنن لكم شافعًا إن استطعتم، ولا يكونن بكم ماحلًا، فإنه من شفع له القرآن دخل الجنة، ومن محل به القرآن دخل النار.

واعلموا أن هذا القرآن ينابيع الهدى وزهرة العلم، هو أحدث الكتب عهدًا بالرحمن، به يفتح الله أعينًا عميًا، وآذانًا صُمًّا، وقلوبًا غُلفًا. ألا وإن قراءة القرآن مع الصلاة كنز مكنون وخير موضوع، فاستكثروا منه ما استطعتم، فإن الصلاة نور، والزكاة برهان، والصبر ضياء، والصوم جُنَّة، والقرآن حُجَّة لكم أو عليكم. فأكرموا القرآن ولا تهينوه، فإن الله مُكرِم من أكرمه، ومهين من أهانه».

كما كان رضي الله عنه يؤكد على أن شرف المسلم إنما يكون بمدى التزامه بالقرآن، فيقول: «اقرؤوا القرآن تُعرفوا به، واعملوا به تكونوا من أهله».

ويُروى عن أُبيِّ بن كعب رضي الله عنه أنه لما سأله رجلٌ الوصية قال: «اتخذ كتاب الله إمامًا، وارض به حكمًا وقاضيًا، فإنه الذي استخلف فيكم رسولكم، شفيع مطاع، وشاهد لا يُتَّهم، فيه ذكركم، وذكر من قبلكم، وحكم ما بينكم، وخبركم وخبر ما بعدكم».

ثم تمتدُّ المدرسة القرآنية عبر العصور، حتى قال الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله: «اعلموا أن المدرسة التي تخرَّج فيها عمر: مدرسة محمد صلى الله عليه وسلم، لا تزال مفتوحة، والطريق الذي مشى فيه عمر لا يزال مشتعلًا مضيئًا، فاهتدوا به يهدكم إلى عز الدنيا، وإلى نعيم الجنة في الآخرة».

وفي خاتمة كتاب كيف نتعامل مع القرآن، بين فضيلة الشيخ محمد الغزالي -رحمه الله- الضرورة الملحة للعودة إلى القرآن الكريم، والانطلاق منه، والنظر إليه على أنه دعامة أمتنا وعقلها المفكر، ودستورها الرصين، لكي يعود المسلمين إلى ما كانوا عليه من مجد وحضارة ورقي.

ومما قاله فضيلة الشيخ: «القُرآن كتابُ تذكير إذا نَسي الفكر، وكتابُ إيقاظ إذا نامَ القلب، وكتابُ تسديد على الطريق إذا اعوجّتِ الخطَى وزاغَ الإنسان عنّ سواءِ السّبيلْ».

وهكذا يتبين أن القرآن في وعي السلف لم يكن كتابَ ثقافةٍ نظرية، بل كان معيارَ القرب من الله، وميزانَ الشرف، وطريقَ النجاة، وحُجَّةً يوم العرض الأكبر.

ومن هنا ندرك أن القرآن لم يكن عند الجيل الأول كتاب تلاوة فحسب، بل منهج بناء إنسان. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: كيف يمكن أن يستعيد شباب الأمة هذه العلاقة الحية مع كتاب الله في زمن مختلف التحديات؟

يتبع...

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.


: الأوسمة


المرفقات

التالي
إثيوبيا: آلاف المسلمين في الإفطار الوطني السادس… رسالة وحدة وتضامن
السابق
العشر الأواخر من رمضان.. أفضل ليالي الشهر وأعظم فرصة لاغتنام ليلة القدر

مواضيع مرتبطة

البحث في الموقع

فروع الاتحاد


عرض الفروع