البحث

التفاصيل

ميلاد الأمة المستقلة.. وتكاليف الريادة والانضباط

الرابط المختصر :

ميلاد الأمة المستقلة.. وتكاليف الريادة والانضباط

(سلسلة: محراب التدبر: قطوف من خواطر الأجزاء الثلاثين - الجزء الثاني)

بقلم: د. أحمد مهنا

عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد..

أيها القراء الكرام، بعد أن رسم لنا الجزء الأول خريطة الهداية وحذرنا من أخطاء الأمم السابقة، ننتقل اليوم مع الجزء الثاني من سورة البقرة لنعيش لحظة الميلاد الحقيقية للأمة الإسلامية.

هذا الجزء ينقل المسلمين من مجرد جماعة مؤمنة، إلى أمة مستقلة ذات هوية واضحة، وتشريعات محكمة، ومنهج للقيادة.

المحطة الأولى: إعلان الاستقلال بتحويل القبلة

يبدأ الجزء بحدث زلزل المجتمع في المدينة: تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة.

وكالعادة، بدأ المشككون يبثون سمومهم: ﴿سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها﴾. الأمر لم يكن مجرد تغيير في الاتجاه الجغرافي للصلاة، بل كان اختبار ولاء وتصفية للصفوف من المنافقين والمترددين: ﴿وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه﴾. هكذا تبنى الأمم؛ بقلوب تسلم لأمر الله فورا دون تبرير أو تلكؤ، تماما كما فعل الصحابة حين استداروا نحو الكعبة وهم ركوع في صلاتهم بمجرد سماعهم للأمر الرباني.

المحطة الثانية: ضريبة التمكين.. ومنهج الصبر

بما أن الأمة قد استقلت بهويتها وكلفت بقيادة البشرية، فلا بد لها من ثمن تدفعه، وهذا الثمن هو "الابتلاء". القيادة لا تنال بالراحة؛ لذا جاء القانون الرباني الصارم: ﴿ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين﴾.

الإسلام لا يقدم لنا حياة وردية خالية من المصاعب، بل يمنحنا منهجا عمليا لمواجهتها، وهو منهج الاسترجاع.

المؤمن الحقيقي هو الذي يتلقى الصدمة الأولى بيقين قائلا: ﴿إنا لله وإنا إليه راجعون﴾، ليحيل الله محنته إلى منحة، ويخلف عليه خيرا مما فقد.

المحطة الثالثة: دستور الأمة.. شريعة محروسة بالتقوى

بعد تثبيت الهوية وتمحيص القلوب بالابتلاء، يعرض لنا هذا الجزء أثقل حزمة من التشريعات في القرآن؛ فقد جمع أحكام القصاص، والوصية، والصيام، والحج، وتفاصيل أحكام الأسرة من زواج وطلاق ورضاع.

ولكن العجيب هنا أن القرآن لم يعرض هذه الأحكام كقوانين جافة تعتمد على الشرطة والمحاكم فقط، بل ربطها جميعا بمراقبة الله والتقوى. حتى في أشد لحظات الخصومة وانهيار بيوت الزوجية، يناديك المنهج الرباني ليوقظ ضميرك: ﴿ولا تنسوا الفضل بينكم﴾. ديننا يؤسس مجتمعا يحكمه الوازع الداخلي قبل الرادع الخارجي.

المحطة الرابعة: الانضباط قبل النصر (قصة طالوت)

ونختم الجزء الثاني بقضية حماية هذا الدين. يعرض لنا القرآن قصة جيش طالوت الذي يواجه عدوا شرسا يقوده جالوت. لكن القائد المؤمن طالوت لم يختبر قوة جنوده البدنية قبل المعركة، بل اختبر إرادتهم عبر نهر من الماء: ﴿فمن شرب منه فليس مني﴾.

القضية هنا ليست قضية عطش، بل هي قضية الانضباط. من لا يستطيع أن يتحكم في شهوته للماء المباح طاعة للأمر، لن يصمد أمام بريق السيوف وسط المعركة!

 سقطت الأغلبية في الاختبار، وانتصرت القلة المنضبطة: ﴿كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله﴾. وهذا بالضبط هو جوهر الصيام في رمضان؛ فهو مدرسة لترويض الشهوات المباحة، لننتصر على أنفسنا أولا، قبل أن ننتصر على أعدائنا.

الخلاصة:

يبعث لنا الجزء الثاني برسالة عميقة: إن الاستقلال بهذا الدين له ضريبة من الابتلاء تدفع بالصبر، وإن تمكين هذه الأمة لا يتحقق إلا بالتزام صارم بشريعة محروسة بالتقوى، وأن النصر لا يأتي بالكثرة المتمردة، بل بالقلة التي روضت شهواتها وانضبطت على أمر ربها.

وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد والحمد لله رب العالمين.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

* د. أحمد مهنا؛ عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين. إمام وخطيب المركز الإسلامي بمدينة توليدو – البرازيل.


: الأوسمة


المرفقات

التالي
21 رمضان.. عقيقة الحسن بن علي ورحيل مؤسس الدولة العثمانية
السابق
الاتحاد يدعو الأمة الإسلامية والإنسانية لحماية المسجد الأقصى، ويطالب الدول الإسلامية ووزارات الأوقاف بتخصيص خطبة الجمعة الأخيرة من رمضان لنصرة الأقصى

مواضيع مرتبطة

البحث في الموقع

فروع الاتحاد


عرض الفروع